تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص ) — صفحة 595

مساهمون:

ص٥٩٥

فصل في ذكر إبراهيم خليل الرّحمن صلّى اللّه عليه وسلّم

هذا الاسم ( إبراهيم ) بالسّريانيّة معناه : « أب رحيم » واللّه سبحانه جعل إبراهيم الأب الثّالث للعالم ، فإنّ أبانا الأوّل آدم ، والأب الثّاني نوح ، وأهل الأرض كلّهم من ذرّيّته ، كما قال تعالى :
وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ
« 1 » . وبهذا يتبيّن كذب المفترين من العجم الذّين يزعمون أنّهم لا يعرفون نوحا ولا ولده ، ولا ينسبون إليه ، وينسبون ملوكهم من آدم إليهم ، ولا يذكرون نوحا في أنسابهم ، وقد أكذبهم اللّه عزّ وجلّ في ذلك . فالأب الثّالث أبو الآباء ، وعمود العالم ، وإمام الحنفاء الّذي اتّخذه اللّه سبحانه وتعالى خليلا ، وجعل النّبوّة والكتاب في ذرّيّته ، ذلك خليل الرّحمن وشيخ الأنبياء كما سمّاه النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك ، فإنّه لمّا دخل الكعبة ، وجد المشركين قد صوّروا فيها صورته وصورة إسماعيل ابنه وهما يستقسمان بالأزلام ، فقال : « قاتلهم اللّه ، لقد علموا أنّ شيخنا لم يكن يستقسم بالأزلام » « 2 » . ولم يأمر اللّه سبحانه وتعالى رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أن يتّبع ملّة أحد من الأنبياء غيره فقال تعالى :
ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
« 3 » . وأمر أمّته بذلك فقال تعالى :
هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ
« 4 » . و « ملّة » منصوب على إضمار فعل ، أي : اتّبعوه والزموا ملّة أبيكم . ودلّ على المحذوف ما تقدّم من قوله :
وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ
« 5 » . وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوصي أصحابه إذا أصبحوا وإذا أمسوا أن يقولوا : « أصبحنا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص ، ودين نبيّنا محمّد وملّة أبينا إبراهيم حنيفا مسلما وما كان من المشركين » « 6 » . فتأمّل هذه الألفاظ كيف جعل الفطرة للإسلام ، فإنّه فطرة اللّه الّتي فطر النّاس عليها ، وكلمة الإخلاص : هي شهادة أن لا إله إلّا اللّه تعالى والملّة لإبراهيم فإنّه صاحب الملّة : وهي التّوحيد وعبادة اللّه وحده لا شريك له ، ومحبّته فوق كلّ محبّة ، والدّين للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو دينه الكامل وشرعه التّامّ الجامع لذلك كلّه ، وسمّاه اللّه سبحانه « إماما » و « أمّة » و « قانتا » و « حنيفا » . قال تعالى :
وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ
هامش
( 1 ) سورة الصافات : 77 . ( 2 ) أخرجه البخاري ( الفتح 8 / 4288 ) وأحمد ( 1 / 365 ) . ( 3 ) سورة النحل : 123 . ( 4 ) سورة الحج : 78 . ( 5 ) سورة الحج : 78 . ( 6 ) أخرجه أحمد ( 3 / 406 ، 407 ) والدارمي ( 2 / 292 ) وابن السني ( 33 ) من حديث عبد الرحمن بن أبزي ، وقال الأرنؤطيان : سنده صحيح .