وتأمّل ثناء اللّه سبحانه عليه في إكرام ضيفه من الملائكة حيث يقول سبحانه :
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَ لا تَأْكُلُونَ
« 1 » .
ففي هذا الثّناء على إبراهيم من وجوه متعدّدة ذكرها المؤلّف فلتراجع .
لقد جمعت هذه الآية آداب الضّيافة الّتي هي شرف الآداب ، وما عداها من التّكلّفات الّتي هي تخلّف وتكلّف إنّما هي من أوضاع النّاس وعوائدهم وكفى بهذه الآداب شرفا وفخرا ، فصلّى اللّه على نبيّنا وعلى إبراهيم وعلى آلهما وعلى سائر النّبيّين .
وقد شهد اللّه سبحانه بأنّه وفّى ما أمر به ، فقال تعالى :
أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى * وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى
« 2 » . قال ابن عبّاس - رضي اللّه عنهما - : وفّى جميع شرائع الإسلام ، ووفّى ما أمر به من تبليغ الرّسالة . وقال تعالى :
وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً
« 3 » . فلمّا أتمّ ما أمر من الكلمات ، جعله اللّه إماما للخلائق يأتمّون به .
وكان صلّى اللّه عليه وسلّم كما قيل : قلبه للرّحمن ، وولده للقربان ، وبدنه للنّيران ، وماله للضّيفان .
وهو الّذي بنى بيت اللّه ، وأذّن في النّاس بحجّه ، فكلّ من حجّه واعتمره حصل لإبراهيم من مزيد ثواب اللّه وكرامته بعدد الحجّاج والمعتمرين . قال تعالى :
وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى
« 4 » . فأمر نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأمّته أن يتّخذوا من مقام إبراهيم مصلّى تحقيقا للاقتداء به ، وإحياء آثاره صلّى اللّه على نبيّنا وعليه وسلّم .
ومناقب هذا الإمام الأعظم ، والنّبيّ الأكرم أجلّ من أن يحيط بها كتاب ، جعلنا اللّه ممّن ائتمّ به ، ولا جعلنا ممّن عدل عن ملّته بمنّه وكرمه .
هامش
( 1 ) سورة الذاريات : 24 - 27 .
( 2 ) سورة النجم : 36 ، 37 .
( 3 ) سورة البقرة : 124 .
( 4 ) سورة البقرة : 125 .