تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص ) — صفحة 583

مساهمون:

ص٥٨٣
وليس أحد منهم يوما من الدّهر طعن فيه بكذبة واحدة صغيرة ولا كبيرة . قال المسور بن مخرمة : قلت لأبي جهل - وكان خالي - يا خال هل كنتم تتّهمون محمّدا بالكذب قبل أن يقول مقالته ؟ فقال : واللّه يا ابن أختي لقد كان محمّد وهو شابّ يدعى فينا الأمين ، فلمّا خطّه الشّيب لم يكن ليكذب ، قلت : يا خال فلم لا تتّبعونه ؟ فقال : يا ابن أختي ، تنازعنا نحن وبنو هاشم الشّرف ؛ فأطعموا وأطعمنا ، وسقوا وسقينا ، وأجاروا وأجرنا ، فلمّا تجاثينا على الرّكب وكنّا كفرسي رهان ، قالوا : منّا نبيّ ، فمتى نأتيهم بهذا » أو كما قال . وقال تعالى يسلّيه ويهوّن عليه قول أعدائه :
قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ * وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ
« 1 » . وقوله : ألينهم عريكة ، يعني أنّه سهل قريب من النّاس ، مجيب لدعوة من دعاه ، قاض لحاجة من استقضاه ، جابر لقلب من قصده لا يحرمه ولا يردّه خائبا ، إذا أراد أصحابه منه أمرا ، وافقهم عليه ، وتابعهم فيه ، وإن عزم على أمر لم يستبدّ بدونهم ، بل يشاورهم ويؤامرهم ، وكان يقبل من محسنهم ، ويعفو عن مسيئهم . وقوله : أكرمهم عشرة . يعني أنّه لم يكن يعاشر جليسا له إلّا أتمّ عشرة وأحسنها وأكرمها ، فكان لا يعبس في وجهه ، ولا يغلظ له في مقاله ، ولا يطوي عنه بشره ، ولا يمسك عليه فلتات لسانه ، ولا يؤاخذه بما يصدر منه من جفوة ونحوها ، بل يحسن إلى عشيرة غاية الإحسان ، ويحتمل غاية الاحتمال ، فكانت عشرته لهم احتمال أذاهم ، وجفوتهم جملة ، لا يعاقب أحدا منهم ولا يلومه ولا يبادئه بما يكره ، من خالطه يقول : أنا أحبّ النّاس إليه ، لما يرى من لطفه به ، وقربه منه ، وإقباله عليه ، واهتمامه بأمره ، وتضحيته له ، وبذل إحسانه إليه ، واحتمال جفوته ، فأيّ عشرة كانت أو تكون أكرم من هذه العشرة . قال الحسين رضي اللّه عنه : سألت أبي عن سيرة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في جلسائه فقال : كان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم دائم البشر ، سهل الخلق ، ليّن الجانب ، ليس بفظّ ولا غليظ ، ولا صخّاب ، ولا فحّاش ، ولا عيّاب ، ولا مدّاح ، يتغافل عمّا لا يشتهي ، ولا يؤيس منه راجيه ، ولا يخيب فيه ، قد ترك نفسه من ثلاث : المراء ، والإكثار ، وترك ما لا يعنيه ، كان لا يذمّ أحدا ولا يعيبه ، ولا يطلب عورته ، ولا يتكلّم إلّا فيما رجا ثوابه ، وإذا تكلّم أطرق جلساؤه كأنّما على رؤوسهم الطّير ، فإذا سكت ، تكلّموا ، لا يتنازعون عنده الحديث ، ومن تكلّم عنده ، أنصتوا له حتّى يفرغ ، حديثهم عنده حديث أوّلهم ، يضحك ممّا يضحكون منه ، ويتعجّب ممّا يتعجّبون منه ، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته حتّى إن كان أصحابه ليستجلبونهم ، ويقول : إذا رأيتم طالب حاجة يطلبها فأرفدوه ، ولا يقبل الثّناء إلّا من
هامش
( 1 ) سورة الأنعام : 33 ، 34 .