تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص ) — صفحة 582

مساهمون:

ص٥٨٢
إلّا ذكّرنا منه علما ) « 1 » . وعرّفهم حالهم بعد القدوم على ربّهم أتمّ تعريف ، فكشف الأمر وأوضحه ، ولم يدع بابا من العلم النّافع المقرّب لهم إلى ربّه إلّا فتحه ، ولا مشكلا إلّا بيّنه وشرحه ، حتّى هدى اللّه به القلوب من ضلالها ، وشفاها من أسقامها ، وأغاثها من جهلها ، فأيّ بشر أحقّ بأن يحمد منه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وجزاه عن أمّته أفضل الجزاء . وممّا يحمد عليه صلّى اللّه عليه وسلّم ما جبله اللّه عليه من مكارم الأخلاق ، وكرائم الشّيم ، فإنّ من نظر في أخلاقه وشيمه صلّى اللّه عليه وسلّم ، علم أنّها خير أخلاق ، فإنّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان أعلم الخلق ، وأعظمهم أمانة ، وأصدقهم حديثا ، وأحلمهم وأجودهم وأسخاهم ، وأشدّهم احتمالا ، وأعظمهم عفوا ومغفرة ، وكان لا يزيده شدّة الجهل عليه إلّا حلما ، كما روى البخاري في « صحيحه » عن عبد اللّه بن عمرو رضي اللّه عنهما أنّه قال في صفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في التّوراة : « محمّد عبدي ورسولي سمّيته المتوكّل ليس بفظّ ولا غليظ ولا صخّاب بالأسواق ، ولا يجزي بالسّيّئة السّيّئة ، ولكن يعفو ويصفح ، ولن أقبضه حتّى أقيم به الملّة العوجاء بأن يقولوا : لا إله إلّا اللّه ، وأفتح به أعينا عميا ، وآذانا صمّا وقلوبا غلفا » « 2 » . وهو أرحم الخلق وأرأفهم بهم ، وأعظم الخلق نفعا في دينهم ودنياهم ، وأفصح خلق اللّه ، وأحسنهم تعبيرا عن المعاني الكثيرة بالألفاظ الوجيزة الدالّة على المراد ، وأصبرهم في مواطن الصّبر ، وأصدقهم في موطن اللّقاء ، وأوفاهم بالعهد والذّمّة ، وأعظمهم مكافأة على الجميل بأضعافه ، وأشدّهم تواضعا ، وأعظمهم إيثارا على نفسه ، وأشدّ الخلق ذبّا عن أصحابه وحماية لهم ، ودفاعا عنهم ، وأقوم الخلق بما يأمر به ، وأتركهم لما ينهى عنه ، وأوصل الخلق لرحمه ، فهو أحقّ بقول القائل :
برد على الأدنى ومرحمة * وعلى الأعادي مازن جلد
قال علي رضي اللّه عنه : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أجود النّاس صدرا ، وأصدقهم لهجة ، وألينهم عريكة ، وأكرمهم عشرة ، من رآه بديهة هابه ، ومن خالطه معرفة أحبّه ، يقول ناعته : لم أر قبله ولا بعده مثله صلّى اللّه عليه وسلّم « 3 » . فقوله : كان أجود النّاس صدرا ، أراد به : برّ الصّدر ، وكثرة خيره ، وأنّ الخير يتفجّر منه تفجيرا ، وأنّه منطو على كلّ خلق جميل ، وكلّ خير ، كما قال بعض أهل العلم ليس في الدّنيا كلّها محلّ كان أكثر خيرا من صدر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد جمع الخير بحذافيره ، وأودع في صدره صلّى اللّه عليه وسلّم . وقوله : أصدق النّاس لهجة ، وهذا مما أقرّ به أعداؤه المحاربون له ، ولم يجرّب عليه أحد من أعدائه كذبة واحدة قطّ ، دع شهادة أوليائه كلّهم له به فقد حاربه أهل الأرض بأنواع المحاربات مشركوهم وأهل الكتاب منهم ،
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد في « المسند » ( 5 / 162 ) ، ورجاله ثقات . ( 2 ) أخرجه البخاري ( الفتح 8 / 4838 ) . ( 3 ) أخرجه الترمذي في « الشمائل » رقم ( 6 ) وفي « السنن » ( 3642 ) وقال الارنؤوطيان ، وفي سنده ضعف وانقطاع » .