تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص ) — صفحة 581

مساهمون:

ص٥٨١
المحفوظ أنّ خلفاءه وأصحابه يكتبون المصحف مفتتحا بالحمد ، وبيده صلّى اللّه عليه وسلّم لواء الحمد يوم القيامة ، ولمّا يسجد بين يدي ربّه عزّ وجلّ للشّفاعة ، ويؤذن له فيها يحمد ربّه بمحامد يفتحها عليه حينئذ ، وهو صاحب المقام المحمود الّذي يغبطه به الأوّلون والآخرون ، قال تعالى :
وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً
« 1 » . ومن أحبّ الوقوف على معنى المقام المحمود ، فليقف على ما ذكر سلف الأمّة من الصّحابة والتّابعين فيه في تفسير هذه السّورة كتفسير ابن أبي حاتم ، وابن جرير ، وعبد بن حميد ، وغيرها من تفاسير السّلف . وإذا قام في ذلك المقام ، حمده حينئذ أهل الموقف كلّهم مسلمهم وكافرهم أوّلهم وآخرهم ، وهو محمود صلّى اللّه عليه وسلّم بما ملأ الأرض من الهدى والإيمان والعلم النّافع ، والعمل الصّالح ، وفتح به القلوب ، وكشف به الظّلمة عن أهل الأرض ، واستنقذهم من أسر الشّيطان ، ومن الشّرك باللّه والكفر به والجهل به حتّى نال به أتباعه شرف الدّنيا والآخرة ، فإنّ رسالته وافت أهل الأرض أحوج ما كانوا إليها ، فإنّهم كانوا بين عبّاد أوثان ، وعبّاد صلبان ، وعبّاد نيران ، وعبّاد الكواكب ، ومغضوب عليهم قد باؤوا بغضب من اللّه ، وحيران لا يعرف ربّا يعبده ، ولا بماذا يعبده ، والنّاس يأكل بعضهم بعضا ، من استحسن شيئا دعا إليه ، وقاتل من خالفه ، وليس في الأرض موضع قدم مشرق بنور الرّسالة ، وقد نظر اللّه سبحانه حينئذ إلى أهل الأرض ، فمقتهم عربهم وعجمهم إلّا بقايا على آثار من دين صحيح ، فأغاث اللّه بها البلاد والعباد ، وكشف به تلك الظّلم ، وأحيا به الخليقة بعد الموت ، فهدى به من الضّلالة ، وعلّم به من الجهالة ، وكثّر به بعد القلّة ، وأعزّ به بعد الذّلّة ، وأغنى به بعد العيلة ، وفتح به أعينا عميا ، وآذانا صمّا ، وقلوبا غلفا ، فعرف النّاس ربّهم ومعبودهم ، غاية ما يمكن أن تناله قواهم من المعرفة ، وأبدأ وأعاد ، واختصر وأطنب في ذكر أسمائه وصفاته وأفعاله حتّى تجلّت معرفته سبحانه في قلوب عباده المؤمنين ، وانجابت سحائب الشّكّ والرّيب عنها ، كما ينجاب السّحاب عن القمر ليلة إبداره ، ولم يدع لأمّته حاجة في هذا التّعريف لا إلى من قبله ، ولا إلى من بعده ، بل كفاهم وشفاهم وأغناهم عن كلّ من تكلّم في هذا الباب
أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
« 2 » . وعرّفهم الطّريق الموصّل لهم إلى ربّهم ورضوانه ودار كرامته ، ولم يدع حسنا إلّا أمرهم به ، ولا قبيحا إلّا نهى عنه ، كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما تركت من شيء يقرّبكم إلى الجنّة إلّا وقد أمرتكم به ، ولا من شيء يقرّبكم من النّار إلّا وقد نهيتكم عنه » « 3 » . قال أبو ذرّ رضي اللّه عنه : ( لقد توفّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وما طائر يقلّب جناحيه في السّماء
هامش
( 1 ) سورة الإسراء : 79 . ( 2 ) سورة العنكبوت : 51 . ( 3 ) أورده الهيثمي في « المجمع » ( 8 / 263 ، 264 ) وقال : رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن عبد اللّه بن يزيد المقرئ وهو ثقة .