تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص ) — صفحة 422

مساهمون:

ص٤٢٢
بالجافي ولا المهين « 1 » ، يعظّم النّعمة وإن دقّت ولا يذمّ منها شيئا ، غير أنّه لم يكن يذمّ ذواقا ولا يمدحه « 2 » ، ولا تغضبه الدّنيا ولا ما كان منها ، فإذا تعوطي الحقّ لم يعرفه أحد ، ولم يقم لغضبه شيء حتّى ينتصر له « 3 » ، لا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها ، إذا أشار ، أشار بكفّه كلّها ، وإذا تعجّب قلبها ، وإذا تحدّث اتّصل بها فيضرب بباطن راحته اليمنى باطن إبهامه اليسرى « 4 » ، فإذا غضب أعرض وأشاح ، وإذا فرح غضّ طرفه « 5 » ، جلّ ضحكه التّبسّم ويفترّ عن مثل حبّ الغمام « 6 » . قال الحسن : فكتمتها الحسن زمانا ، ثمّ حدّثته فوجدته قد سبقني إليه فسأله عمّا سألته ووجدته قد سأل أباه - يعني عليّا كرّم اللّه وجهه - عن مدخله ومخرجه وشكله « 7 » فلم يدع منها شيئا ، فقال : كان دخوله لنفسه مأذونا له في ذلك ، فكان إذا أوى إلى منزله جزّأ دخوله ثلاثة أجزاء : جزءا للّه عزّ وجلّ ، وجزءا لأهله ، وجزءا لنفسه ، ثمّ جزّأ جزءه بينه وبين النّاس ، فيردّ ذلك على العامّة بالخاصّة ، ولا يدّخر عنهم شيئا « 8 » . وذكر دخول أصحابه عليه فقال : يدخلون روّادا ولا يفترقون إلّا عن ذواق ، ويخرجون أدلّة « 9 » ، وذكر مجلسه فقال : مجلس حلم وحياء ، وصبر وأمانة ، لا ترفع فيه الأصوات ، ولا تؤبن فيه الحرم ، ولا تثنى فلتأته « 10 » ، إذا
هامش
( 1 ) الدمث : السهل اللين الخلق ، والجافي : المعرض المتباعد عن الناس ، والمهين : بضم الميم من الإهانة وهي الإذلال والاطراح ، أي لا يهين أحدا من أصحابه أو من الناس ، وبفتح الميم من المهانة وهي الحقارة والصغر . ( 2 ) يعظم النعمة : لا يستصغر شيئا أوتيه وإن كان صغيرا ، دق الشيء : إذا صغر مقداره ، والذواق : اسم ما يذاق باللسان أي لا يصف الطعام بطيب ولا بشاعة . ( 3 ) « إذا تعوطي الحق لم يعرفه أحد » أي إذا نيل من الحق أو أهمل أو تعرض للقدح فيه تنكر عليهم وخالف عادته معهم حتى لا يكاد يعرفه أحد منهم ، ولا يثبت لغضبه شيء حتى ينتصر للحق ، والتعاطي : الأخذ والتناول . ( 4 ) وإذا تحدث اتصل بها : أي أنه كان يشير بكفه إلى حديثه ، وجمله فيضرب بباطن راحته . . إلخ تفسير لها . ( 5 ) أشاح : بالغ في الإعراض وجدّ فيه ، أي : إذا غضب لم يكن ينتقم ويؤاخذ ، بل يقنع بالإعراض عمن أغضبه ، وغض الطرف عند الفرح : دليل على نفي البطر والأشر . ( 6 ) التبسم : أقل الضحك وأدناه ، يفتر : أي يكشف عند التبسم عن أسنانه ، من غير قهقهة ، والغمام : السحاب ، وحبه : البرد . ( 7 ) الشكل هنا : السيرة والطريقة . ( 8 ) أوى : رجع ، التجزئة : القسمة ، والجزء المختص باللّه تعالى : هو اشتغاله بعبادته ومناجاته في ليله ونهاره ، والجزء المختص بأهله : هو الوقت الذي يصحبهم ويعاشرهم فيه ، الجزء المختص بنفسه ، هو الذي لا يتعبد فيه ولا يعاشر أهله فقسمه بقسمين بينه وبين الناس « فيرد ذلك على العامة بالخاصة » أراد أن العامة كانت لا تصل إليه في هذا الوقت فكانت الخاصة تخبر العامة بما سمعت منه ، فكأنه أوصل الفوائد إلى العامة بالخاصة ، وقيل إن الباء في « الخاصة » بمعنى من أي يجعل وقت العامة بعد وقت الخاصة وبدلا منهم . ( 9 ) الرواد جمع رائد : وهو الذي يتقدم القوم يكشف لهم حال الماء والمرعى قبل وصولهم ، ويخرجون أدلة جمع دليل : أي يدلون الناس بما قد علموه منه وعرفوه ، يريد أنهم يخرجون من عنده فقهاء ، ويروى أدلة جمع دليل : يريد يخرجون من عنده متواضعين متعظين بما سمعوا ، « ولا يفترقون إلا عند ذواق » ضرب الذواق مثلا لما ينالون عنده من الخير ، أي لا يتفرقون إلا عن علم يتعلمونه ، يقوم لهم مقام الطعام والشراب ، لأنه يحفظ الأرواح كما يحفظان الأجسام . ( 10 ) لا تؤبن : لا تقذف ولا ترمي بعيب ، والحرم جمع حرمة وهي المرأة وما يلزم الإنسان حفظه وصونه . لا تثنى فلتأته : أي لا يتحدّث عن مجلسه بهفوة أو زلة إن حدثت فيه من بعض القوم ، الفلتات جمع فلتة : وهي هنا الزلة والسقطة ، وقيل معناه : أنه لم تكن فيه فلتات فتثنى أي تذاع .