وإلى جانب ذلك حاول شعراء المدح النبوي توجيه الناس إلى الأخلاق الحسنة بالحكم والمواعظ التي نثروها في ثنايا مدائحهم النبوية ، مثل قول الشهاب محمود في مقدمة نبوية له :
ليس موت الفتى إذا صح منه ال * قصد دون الذي يحاول عارا
ليس شيء يكفي فإن تقنع النّف * س تجد قلّ ما ترى إكثارا « 1 »
لقد أراد شعراء المدح النبوي أن يعلّموا أبناء عصرهم الأخلاق الحميدة ، فعرضوا أخلاق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الحميدة وأخلاق صحابته الكرام في قصائدهم ، ليعرفها الناس ويستذكروها ويتخلقوا بها ، وانتقدوا بعض أخلاق عصرهم السيئة ، ليتركها أصحابها ، وأظهروا فوائد الخلق الجميل ، ليتحول إليه الناس ، ولا شك أن انشغال الناس الكبير بالمدائح النبوية ، جعلهم يتأثرون بهذا الجانب منها ، ويتخلّقون بالأخلاق التي أوردها شعراء المدح النبوي وحبّبوها ودعوا إليها بوعي أو دون وعي .
كذلك عرض شعراء المدح النبوي عقائدهم ، حتى تنتشر بين الناس ، وأوضحوا مذاهبهم ليتعلمها الناس ويأخذوا بها ، وكل واحد منهم يريد لمذهبه الانتشار والانتصار .
فالصرصري الحنبلي ، يؤكد في مدائحه النبوية تمسكه بسنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ورفضه للآراء المخالفة ، وخاصة تلك التي تجتهد في الذات الإلهية ، فيقول :
على أنّني إن شاء ربّي آخذ * بسنّتك الحسنى ولست مبدّلا
ولست بسبّاب ولا بمشبّه * ولا ربّ تأويل ولست معطّلا « 2 »
إنّ الشاعر يتبرأ من السبّابين الذين يسبون بعض الصحابة ، ومن الذين يتأوّلون
هامش
( 1 ) الشهاب محمود : أهنى المنائح ص 96 .
( 2 ) ديوان الصرصري ، ورقة 122 .