عند الناس ، وهذا ما حفز ابن عربي إلى شرح ديوانه ( تراجم الأشواق ) ، ليظهر الأسرار الإلهية التي أودعها غزله ، حتى لا يساء فهمه ، أو كما قال : « وشرحت ما نظمته بمكة المشرفة من الأبيات الغزلية في حال اعتماري في رجب وشعبان ورمضان ، أشير بها إلى معارف ربانية وأنوار إلهية وأسرار روحانية وعلوم عقلية وتنبيهات شرعية ، وجعلت العبارة عن ذلك بلسان الغزل والتشبيب لتعشق النفوس بهذه العبارات ، فتتوفر الدواعي على الإصغاء إليها » « 1 » .
فابن عربي يرى أن استخدام الغزل في حمل أفكار المتصوفة ومشاعرهم ، هو فقط لجلب انتباه الناس ، وحثهم على مطالعته ، لأن الغزل يستميل القلوب ، وهذه هي الحجة التي سوغ فيها النقاد القدامى وجود الغزل في مقدمات قصائد المديح ، وقد فعل ابن عربي ما وعد به ، فأورد قصائده الغزلية ، ثم شرحها شرحا مغايرا لظاهر ألفاظها ، فحوّل معانيها من الغزل إلى التصوف على نحو لم يعهد من قبل ، فكانت قصائده ذات عالمين ، عالم غزلي ظاهري ، وعالم صوفي باطني ، وقد أوضح هذا الأمر بقصيدة قال فيها :
كلّما أذكره من طلل * أو ربوع أو مغان كلّما
وكذا إن قلت أنجد لي * قدر في شعرنا أو أتهما
وكذا السّحب إن قلت بكت * وكذا الدّهر إذا ما ابتسما
أو أنادي بحداة يمّموا * بانة الحاجر أو ورق الحمى
أو بدور في خدور أفلت * أو شموس أو نبات أنجما
أو بروق أو رعود أو نقا * أو جبال أو تلال أو رما
هامش
( 1 ) ابن عربي : ترجمان الأشواق ص 10 .