تمثّل أرقى اتصال بين عالمنا المادي والعالم الروحي ، أو بين الأرض والسماء ، هو ما يجعله المتصوفة نصب أعينهم ، في مسعاهم الحثيث ليعرجوا بأرواحهم إلى السماء ، وليفنوا في خالقهم ، لذلك حرص شعراء المتصوفة على ذكر هذه المعجزة بالإشارة حينا ، وبالتفصيل حينا آخر ، لأن الحديث عنها يعبر عن طموحاتهم ، ويحمل آراءهم ، ويتيح لهم الخوض في الغيبيات كما يحلو لهم ، وبالقدر الذي يشبع رغبتهم في الانطلاق إلى العالم النوراني البعيد عن مادية الأرض وأسر الجسد ، وفي ذلك يقول ابن عربي :
ألم تر أنّ اللّه أسرى بعبده * من الحرم الأدنى إلى المسجد الأقصى
إلى أن علا السّبع السّماوات قاصدا * إلى بيته المعمور بالملأ الأعلى
إلى السّدرة العليا وكرسيّه الأحمى * إلى عرشه الأسنى إلى المستوى الأزهى
فكان تدلّيه على الأمر إذ دنا * من اللّه قربا قاب قوسين أو أدنى
وشال حجاب العلم عن عين قلبه * وأوحى إليه في الغيوب الذي أوحى « 1 »
ومن القضايا المتعلقة برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في أدب الصوفية وكتبهم ، قضية العلاقة بين النبوّة والولاية ، والمفاضلة بينهما ، فقد أخذ على المتصوفة تفضيلهم الولي على النبيّ ، وهذا ما أحرجهم ، لذلك تصدوا لشرح هذه القضية وبيان مذهبهم في ذلك ، فقال ابن عربي « هذه مسائل لا يعلمها إلا الأكابر من عباد اللّه ، الذين هم في زمانهم بمنزلة الأنبياء زمن النبوة ، وهي النبوة العامة ، فإن النبوة انقطعت بوجود رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم » « 2 » فابن عربي يذهب إلى أن كلامهم في مسألة النبوة ، ووصف كبارهم بالأنبياء ، لا يفهمه على حقيقته إلا الأكابر من عباد اللّه ، وهؤلاءهم أقطاب الصوفية وكبارهم ، وإلا فإن الناس سيفهمون كلام الصوفية فهما خاطئا .
هامش
( 1 ) ابن عربي : الفتوحات المكية 3 / 381 .
( 2 ) المصدر نفسه : 2 / 3 .