قال : فما نصنع ؟
قال : نحفر خندقا يكون بيننا وبينهم حجابا ، فيمكنك معهم في المطاولة ، ولا يمكنهم أن يأتونا من كل وجه . فانا كنا معاشر العجم في بالد فارس إذا دهمنا من عدونا نحفر الخندق ، فتكون الحرب من مواضع معروفة .
فأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم بمسحة من ناحية أحد إلى راتج ، وجعل على كل عشرين خطوة وثلاثين خطوة قوما من المهاجرين والأنصار يحفرونه .
فحملت المساحي والمعاول ، وبدأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم اخذا معولا فحفر في موضع المهاجرين بنفسه ، وأمير المؤمنين عليه السّلام ينقل التراب من الحفرة حتى عرق رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم وعيى ، وقال : لا عيش إلّا عيش الآخرة ، اللهم اغفر للمهاجرين والأنصار .
فلما نظر الناس إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم يحفر ، اجتهدوا في الحفر . وفي اليوم الثاني بكروا إلى الحفر ، وقعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم في مسجد الفتح . فبينما المهاجرون والأنصار يحفرون ، عرض لهم جبل لم تعمل المعاول فيه ، فبعثوا جابر بن عبد اللّه الأنصاري إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم يعلمه ذلك .
قال جابر : فجئت إلى المسجد ورسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم في المسجد مستلق على قفاه ، ورداؤه تحت رأسه ، وقد شد على بطنه حجرا - وهو حجر المجاعة - فقلت :
يا رسول اللّه ؛ انه عرض لنا جبل لم تعمل المعاول فيه .
فقام مسرعا حتى جاء ، ثم دعا بماء فغسل وجهه وذراعيه ومسح على رأسه ورجله ، ثم شرب ومجّ في فيه من ذلك الماء ، ثم صبّه على ذلك الحجر ، ثم أخذ معولا فضرب ضربة فبرقت برقة فنظرنا فيها إلى قصور الشام ، ثم ضرب أخرى فبرقت أخرى فنظرنا فيها إلى قصور المدائن ، ثم ضرب أخرى فبرقت أخرى فنظرنا فيها إلى قصور اليمن .
مائة صورة مشرقة من حياة المصطفى ( ص ) — صفحة 324
مساهمون: طالب خان
ص٣٢٤