بغير الوجه الذي ذهب به . فلما جلس إليهم قالوا : ما وراءك يا أبا الوليد ؟ !
قال : ورائي اني قد سمعت قولا واللّه ما سمعت مثله قط ، واللّه ما هو بالشعر ، ولا بالسحر ، ولا بالكهانة . يا معشر قريش ؛ أطيعوني واجعلوها بي ، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه . فو اللّه ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم ، فان تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم ، وان يظهر على العرب فملكه ملككم ، وعزه عزكم ، وكنتم أسعد الناس به .
فقالوا : سحرك واللّه يا أبا الوليد بلسانه .
قال : هذا رأيي فيه ، فاصنعوا ما بدا لكم . « 1 »
ليس ثمة ما يدعو إلى الاستغراب أن يصغي رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم إلى كلام من يخالفه في العقيدة والمبدأ ، بالرغم من تضمنه الإساءة إليه باتهامه بالجنون ، وبالرغم من محاولته الفاشلة في إغرائه بالانسحاب من ساحة الرسالة . . وذلك لأنه كان يهدف من كل ذلك هداية الناس ، وإنقاذهم من الضلالة .
من هنا لم ينز عج رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم من كلام ( عتبة ) ، ولم ينهره على ما تحدث به من أقاويل ، بل راح يسمع كلامه حتى النهاية . وعندما عرف منه انه قد أكمل حديثه ، قال له : أقد فرغت يا أبا الوليد ؟
ولما أجاب بنعم ، راح النبي صلّى اللّه عليه واله وسلّم يظهر موقفه الرسالي الذي لم تهزه العواصف العاتية ، ولم تنل منه كل مغريات الدنيا . . معبّرا عن مقصوده بآيات من القران الكريم من سورة فصلت تلاها جوابا على كل ما أدلى به ( عتبة ) .
بهذا الأسلوب الرائع من الحوار الهادئ تمكّن رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم من أن يؤثر في شخصية ( عتبة ) ، حتى أن أصحابه - حينما عاد إليهم - قال بعضهم : نحلف باللّه لقد
هامش
( 1 ) السيرة النبوية لابن هشام / ج 1 / ص 293 - 294 .