الميتافيزي الصرف ! وإذا كان الخاتم بين الكتفين هو علامة النبوّة عند الراهب بحيرا الّذي حارت الأخبار في اسمه ودينه الحقيقي ومصيره ، فإن العلامة عند نسطور هي إحمرار العين الدائم ، ولم نسمع بأن عيني الرسول كانتا حمراوين ، وهذا العمر الطويل للشجرة الميمونة يخرج بها عن الحد المعقول ، وأعتقد أن من نافلة القول بأنّ نسطورا لم يشهد عيسى فضلا عن الأنبياء الّذين قبله . على أنّنا نتساءل مضطرين كيف وأفق أبو طالب أن يسافر عزيزه محمّد إلى الشام وسبق أن حذّره الراهب بحيرا من يهود الشام ، وقد مرّ علينا أنّه عاد به مسرعا إلى مكّة بناء على هذا الطلب ، فالسفرة الأولى تنفي السفرة الثانية ، بل أكثر من ذلك ، إذا قرأنا في رواية ابن سعد نفسه عن داود بن حصين أن أبا طالب رجع برسول الله إلى مكّة ( وما خرج به سفرا بعد ذلك خوفا عليه ) ، وهو ما جاء في سيرة الوفاء لأبن الجوزي أيضا « 1 » .
هذه المفارقات والتصدّعات دعت أصحاب الولع بالغريب إلى معالجتها ، فقالوا إن قول الراهب نسطور ( ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبيّ ) إنما معناه ( ما نزل تحتها هذه الساعة إلّا نبيّ ) ، وهي معالجة باردة بدلالة ( قط ) التي تؤكد النفي ، وهناك محاولات أخرى أضعف وأسذج وكلّها تؤكد بشكل وآخر أزمة الخبر « 2 » .
يتصل ميسرة - غلام خديجة - بسفرة الرسول الثانية وأحداثها اتصالا وثيقا ، وكان مدخلها أو سببها إلى التاريخ ، وقد شهد حسب
هامش
( 1 ) الوفاء لابن الجوزي 171 ، 172 .
( 2 ) السيرة الحلبية 1 / 132 - 133 .