تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمائل الرسول ( ص ) — صفحة 303

مساهمون:

ص٣٠٣
له ما هو أيسر له ، وهذا يدل على عظيم الحرج الذي كان يشعر به ، وأجزم أنه لو كان في مقدوره ولو بمشقة أن ينزل على رغبة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لفعل ، ولكن كان هذا الأمر عنده مستحيل التحقيق ، وهذا يدلّنا على ما كان مستقرّا في نفوس الصحابة من تعظيم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأنهم لا يفعلون ما ينافي ولو في صورته فقط ، عدم تعظيم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم حتى ولو كان بأمره . 2 - قيامه رضي اللّه عنه بصنع الطعام للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وفيه : أ - أنه كان يأكل فضلة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لقوله : ( فإذا جيء به إليه سأل عن موضع أصابعه ) ، وما كان يكتفي أن يأكل من القصعة التي أكل فيها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والذي نجزم به ونعتقده أن البركة قد حلت بالقصعة كلها ، ولكن ما كان يرضى إلا أن يأكل من المكان الذي لامس أصابع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهذا يدل على همته العالية ، وطلبه الأعلى من الأمور ، والأتم منها ، وحرصه على ما ينفعه . ب - الفزع الذي انتابه ، عندما رد إليه الطعام ولم يأكل منه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، والفزع هو أشد حالات الخوف التي يمكن أن تنتاب الإنسان ، وماذا فعل أبو أيوب رضي اللّه عنه حتى ينتابه الفزع ، أمات له قريب ؟ أفقد ماله وولده ؟ ارتكب كبيرة من الكبائر فخاف من سوء الخاتمة ؟ لا ، لم يفعل أيا من هذه الأمور ، كل ما فعله أنه صنع طعاما رده النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وخشي من نفسه أنه قدم طعاما للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم حرام أكله ، وهو لا يدري ، مما اضطره للصعود إليه لاستقصاء الأمر ، قال الراوي : ( ففزع وصعد إليه فقال : أحرام هو ) . ج - لما علم الحكمة من عدم أكل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم للطعام ، وهي أنه يكره الثوم ، وهو أمر خاص بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم لأنه يأتيه الوحي في أي ساعة من الليل أو النهار ، والملائكة تكره ذلك ، ودليله قول الراوي : ( وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يؤتى ) وهو أمر لا يشترك فيه مع النبيّ أحد فماذا كان رده ، قال : ( فإني أكره ما تكره ) ، وما كان هذا الكره للثوم موجودا قبل ذلك اليوم ، بل كان محبوبا له ، ودليله ، أنه كان يضعه في الطعام الذي يقدم للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ولكن أبو أيوب من شدة تعظيمه وحبه للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم كره هذا الطعام من وقته ، وعلل سبب الكره بقوله : ( فإني أكره ما تكره ) ، فهو لا يتصور أن يحب شيئا يكره النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ولو كان من عادات الأمور ، وقد يكون من أسباب كره للثوم ، أنه كان سببا في رد الطعام . ويتفرع على ذلك فائدة عظيمة ، وهي أن نقول : إذا كان الصحابي قد كره الثوم ، المباح أكله شرعا ، لكره النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مع أنه لم يأمرهم بكره ، ولم ينفرهم منه ، فكيف كان كره الصحابة ، رضي اللّه عنهم ، للمعاصي التي كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أشد الناس كرها لها ، وتنفيرا لأصحابه