ولكنه صلى اللّه عليه وسلم ما ترك الكلام مع عائشة بالكلية ، فكان يسلم ، ويقول : كيف تيكم أي : كيف حالكم ، وهذا من عدله وتوسطه صلى اللّه عليه وسلم حيث لا يستطيع أن يتبسط في الكلام بعد الذي سمع وهو بشر يتغير قلبه ويتأثر ، ولا يستطيع أيضا أن يقاطع عائشة رضي اللّه عنها ؛ لأنه لم يعلم صدق ما يقولون .
الدرس الخامس عشر : المؤمن يبتلى بالأمراض
، كما حدث لعائشة رضي اللّه عنها بل يبتلى بالهموم والغموم ، كما ابتلي النبي صلى اللّه عليه وسلم وأهله في هذه القصة ، وهذا يجري على الصالح والطالح ، وقد يرفع المرض بالدعاء وبغير دعاء ، وقد يستمر المرض مع الدعاء والاحتساب أياما طويلة بل سنوات مديدة ، وهذا كله لا يدل على رضى اللّه عن العبد أو سخطه عليه ، فزوال المرض بعد مدة يسيرة لا يدل على أن اللّه يحب هذا العبد ، وبقاء المرض فترة طويلة لا يدل على عدم رضى اللّه عنه ، فكل تلك الأحوال غيبيات ، لا يعلمها إلا الله ، وليس عندنا فيها برهان من الكتاب أو السنة ، فلا نحكم بغير علم ، ويجب علينا ألانتكلف في كل واقعة مثل مرض أو فقر أو غنى ، فنسأل : هل ربنا راض عن فلان أم لا ؟ أعطاه لأنه يحبه أم لأنه يبغضه ؟ وهل شفاه لأنه استجاب دعاءه ؟ أم تأخر الشفاء لأنه ما دعا اللّه مخلصا ، هذا كله ليس من السّنة في شيء ، ولم يتكلم به الصحابة ولم يتكلفوه ، ألم تر إلى النبي كم توجع في مرض الموت أياما عديدة حتى إنه يريد الصلاة ، فيغشى عليه عدة مرات ، ألم تر أنه كان يتوجع توجع رجلين ، ألم تر إلى يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، السلالة الشريفة الطاهرة ، بكى وحزن سنوات طويلة حتى ذهب بصره ، ألم يكن في تلك الفترة راضيا محتسبا صابرا ، لماذا لم يرفع اللّه عنه مع أول دعاء له ، وكلنا يعرف قصة أيوب عليه الصلاة والسلام ، كيف مرض وزاد عليه البلاء ، والأمثلة كثيرة ، فكل ما يحدث للعبد وينزل به لا يدل على الرضى من الرب - تبارك وتعالى - أو السخط ، وكذا في كل الأمور والأقضية ، فما الذي يدلنا إذن على رضى اللّه عنا ؟ أقول : إن شيئا واحدا هو الذي يدلنا على ذلك ، وهو أن يشعر العبد بتقوى اللّه في قلبه في السر والعلن ، هو أن يرضى ويسلم لقضاء اللّه وقدره ، هو أن يحرص على اتباع كل ما جاء به القرآن والسنة الصحيحة ، وإذا أساء أو تكاسل أو فرط - وكل ذلك حادث منا - استغفر وتاب وأناب إلى اللّه وشعر بعظم الذنب لعظم من أذنب في حقه ، هذا الذي يبشر العبد برحمة اللّه ورضاه ، أما غير ذلك فلا ، إذا أردت أن تعرف منزلتك عند ربك فانظر إلى منزلة ربك في قلبك ، إذا أردت أن تعلم هل اللّه - عز وجل -