تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمائل الرسول ( ص ) — صفحة 416

مساهمون:

ص٤١٦
رباه اللّه - عز وجل - على الصبر وتحمل الصعاب ، ليأخذ من الأجر والثواب ما يسبق به الأولين والآخرين سواء من النبيين أو المقربين ، أضف على ذلك انقطاع الوحي عنه طيلة حديث الناس عن أم المؤمنين ، وكان يمكن أن ينزل الوحي من أول يوم ليعلن براءتها ، بل كان من الممكن أن ينزل الوحي ببراءتها قبل وقوع الحادثة ، وهذا يحدث في القرآن كثيرا ، ولكن اللّه - عز وجل - لحكمة يعلمها ، أراد أن يكتمل عقد البلاء على النبي صلى اللّه عليه وسلم فحبس عنه الوحي ، فيكثر الخوض من الذين لم يعصمهم اللّه - عز وجل - ويتأكد الخبر في القلوب المريضة ، وهذا ما أردته في عنوان الباب بقولي : ( صبره على أقدار اللّه المؤلمة ) ، وهو انحباس الوحي ، وذلك علمناه من قول عائشة رضي اللّه عنها في الحديث : ( فدعا رسول اللّه علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستشيرهما ) ، واستلبث أي أبطأ ولم ينزل . ولكن كانت المنحة بعد المحنة ، وهو ما ستراه مبسوطا - بحول اللّه تعالى في العبر والدروس المستفادة والتي أسردها بحسب تسلسل الواقعة لا من حيث الأهمية وفيها :

الدرس الأول : القرعة بين النساء في الخروج لغزو أو غيره

، وهذا يطيب خاطرهن ، ويحقق العدل في معاملتهن ، وهذا ما كان يحرص عليه النبي صلى اللّه عليه وسلم مع زوجاته .

الدرس الثاني : قولها :

( فخرجت معه بعد ما أنزل الحجاب فأنا أحمل في هودج ) ، نعلم من ذلك أن الهودج كان بمثابة تمام الحجاب في حق أمهات المؤمنين ؛ لأن عائشة رضي اللّه عنها ، إنما بررت حملها في الهودج ، بنزول الحجاب .

الدرس الثالث : قولها :

( حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني ) ، فيه أن من يريد قضاء حاجته ، عليه أن يذهب بعيدا حتى لا يراه أحد ولا يؤذي أحدا برائحة ونحوها ، وفيه أيضا ما كان عليه الصحابة من عفة لسان فتقول عن قضاء الحاجة والذهاب إلى الغائط ، ( فلما قضيت شأني ) ، وهذا يدل على كمال الأدب وعظيم التربية ، فإذا كان هذا في حفظ اللسان ، فهم رضي اللّه عنهم للأعراض أحفظ ، وهذا ليس بغريب ممن رباه القرآن الكريم وأدبه ، ألم تسمع لقوله تعالى :
فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً
[ الأعراف : 189 ] ، وقوله تعالى :
هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ
[ البقرة : 187 ] ، وقوله - سبحانه وتعالى - :
فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها
[ الأحزاب : 37 ] . بل انظر إلى قمة العفة والتربية الربانية :
نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ
[ البقرة : 223 ] . فما بال بعضنا وصل في الكلام إلى كل ما هو قبيح ومبتذل ، في الألفاظ والعبارات ، قد خلع برقع الحياء ، لا يتغير وجهه إذا سمع كلمة نابية أو جملة مشينة ، ليس له في القرآن أسوة ولا في كلام خير البرية قدوة ، وليت الأمر توقف عند