أبو بكر : بلى ، واللّه إنّي لأحبّ أن يغفر اللّه لي ، فرجع إلى مسطح الّذي كان يجري عليه ، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يسأل زينب بنت جحش عن أمري فقال : « يا زينب ما علمت ما رأيت ؟ » فقالت : يا رسول اللّه أحمي سمعي وبصري ، واللّه ما علمت عليها إلّا خيرا ، قالت : وهي الّتي كانت تساميني فعصمها اللّه بالورع ) « 1 » .
الشّاهد في الحديث :
كانت هذه الحادثة العظيمة في غزوة المريسيع ، في السنة الرابعة ، كما رجح العلماء ؛ لأنه ورد فيها ذكر سعد بن معاذ رضي اللّه عنه وقد توفي سعد بن معاذ إثر إصابته في غزوة الخندق ، والخندق بالاتفاق في السنة الرابعة من الهجرة المباركة ، وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم إذا أراد الخروج أقرع بين نسائه ، فخرجت القرعة لعائشة رضي اللّه عنها وفي طريق العودة من الغزوة ذهبت عائشة تقضي حاجتها بعيدا عن أنظار الجيش ، وبعد قضاء حاجتها فقدت عقدا لها كان في صدرها فرجعت تبحث عنه ، وفي أثناء ذلك أمر النبي الجيش بالرحيل ، فلما عادت عائشة إلى نفس المكان ، وجدت أن القوم قد ارتحلوا وأن الذين حملوا هودجها ووضعوه على البعير لم ينتبهوا أنها ليست بداخله ، وذلك لصغر سنها وخفة وزنها ، ثم كان من القصة ما هو معلوم ، المهم أن النبي صلى اللّه عليه وسلم في هذه الحادثة صبر على إيذاء المنافقين ، ومنهم : عبد اللّه بن أبي بن سلول ، فهو الذي أشاع خبر الإفك في المدينة ، لأنه أول من رأى عائشة رضي اللّه عنها تلحق بالجيش عند الظهيرة ، ويقود راحلتها صفوان بن المعطل رضي الله عنه .
كما صبر على إيذاء بعض الصحابة مثل مسطح وغيره ممن خاض في عرضه ، وهو أغلى ما يملك الإنسان ، وإذا كان الإنسان يغضب غضبا شديدا ، لا يملك فيه نفسه ، إذا تكلم أحد وخاض في عرضه وقد يقتل خصمه في ذلك ، بل قد يقتل نفسه إذا عجز عن الذب عن عرضه وتبرئة أهله ، فما بالكم بالنبي صلى اللّه عليه وسلم أشرف الناس ، إذا تعرض لذلك ، وهو الذي يأمر الناس بالعفة والطهارة وصيانة الأعراض ، يتعرض لذلك ولا يستطيع أن يعتزل الناس أو يترك بلده ويسافر بعيدا لأنه النبي المرسل ، بل كان يخرج للناس كل يوم يصلي بهم ويخطب فيهم الجمع ويعظهم ، وهو يعلم ما يقال في عرضه أي مصيبة هذه ، وكيف تحملها النبي صلى اللّه عليه وسلم ، واللّه لو حدثت لأحدنا لتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعه ، لكنه النبي صلى اللّه عليه وسلم الذي
هامش
( 1 ) البخاري ، كتاب : الشهادات ، باب : تعديل النساء بعضهن بعضا ، برقم ( 2661 ) ، مسلم ، كتاب : التوبة ، باب : في حديث الإفك . . . ، برقم ( 2770 ) .