كلّ صلاة ثلاثا وثلاثين مرّة » . قال أبو صالح : فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقالوا : سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ذلك فضل اللّه يؤته من يشاء » « 1 » . [ رواه مسلم ] .
الشاهد في الحديث :
أن الصادق المصدوق - عليه الصلاة والسلام - ، أبلغ الفقراء أن الذي يسبح ويحمد ويكبر بعد كل صلاة ثلاثا وثلاثين إلا التكبير أربعا وثلاثين ، يدرك بها قائلها فضل من سبقه بأعمال عظيمة ، كالحج والعمرة والجهاد والصدقة ، وهو ما يسمى بختم الصلاة ، والذي لا يستغرق عشر دقائق ، إذا كان بروية وتفكر وبقلب حاضر ، فهل أدركنا عظيم فضل اللّه على هذه الأمة ، هل هناك مشقة على أي أحد أن يلزم هذا الذكر السهل الميسر ، لينال أجر الحاج المعتمر المجاهد في سبيل الله ، واللّه ، إن هذا لهو الفضل المبين على أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم .
والعجيب أننا نرى بعض الناس لا يحافظون على هذا الذكر ، بالرغم من ثوابه ، فينتهون من الصلاة ، وكأنهم كانوا في سجن طويل ، يبادرون بالخروج من المسجد ، كأن الخارج أولا ، هو المقدم عند الله ، فيضيعون على أنفسهم ما يثقّل موازينهم ويرفع درجاتهم ، ويفوّتون عليهم إدراك من سبقهم من أهل العزائم والأموال الكثيرة .
في الحديث فوائد منها :
الفائدة الأولى :
تطبيق شرع اللّه - عز وجل - في أمة من الأمم ، لا يمنع أن يكون فيها فقراء ، فالعهد النبوي رغم أنه خير القرون ، فما زال فيه فقراء وأغنياء ، ولم يؤمر الأغنياء أن يوزعوا جميع أموالهم بينهم وبين الفقراء ، حتى يستوون في المعيشة ، وهذه سنة اللّه في الكون أن يبتلي عبدا بالفقر ، ليرى هل يصبر أم يجزع ؟ هل يرضى بقضاء اللّه وقدره ؟ أم يقول : لم جعلني اللّه فقيرا وغيري غنيا ، ما حكمته في ذلك ؟ أما كان اللّه يستطيع أن يغني الجميع ؟ هل سيتمنى أن تزول نعمة أخيه الغني إن لم ينتفع بها ؟ ! ، مصداق ذلك قوله تعالى :
وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَ تَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً
[ الفرقان : 20 ] ، فمن صبر على البلاء ، وسلم بالقضاء ، فله الأجر الكامل ، واللّه إنه أجر لا يوازي مصيبته ، بل يفوقه كثيرا ، ألم تسمع لقوله تعالى :
إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ
[ الزمر : 10 ] .
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم ، كتاب : المساجد ومواضع الصلاة ، باب : استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته ، برقم ( 595 ) .