تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمائل الرسول ( ص ) — صفحة 281

مساهمون:

ص٢٨١
ولا يحسب الأغنياء أنهم قد سلموا من الامتحان والاختبار ، كيف ذلك ؟ واللّه يقول :
وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً
[ الأنبياء : 35 ] ، ومن أعظم الخير وفرة المال ، الذي يسعد صاحبه ، في الدنيا والآخرة ، فالغنيّ مبتلى في هذا المال ، أيخرج زكاته أم يبخل بها ؟ ألم يعلم أن هذا القدر المفروض في ماله ليس من حقه ، بل هو حق للفقير ، قدّره الله وشرعه ، كيف يستحل العبد مالا ليس له ، ويعيب على السارق الذي يسرق البيضة ، ألم يعلم أن اللّه هو الذي استقرضه هذا المال ؟ ويقع أولا في يديه الكريمتين قبل أن يقع في يد الفقير ؟ ألم يعلم أن اللّه تعطيه بكل جزء سبعمائة جزء ويضاعف بعد ذلك لمن يشاء ؟ ألم يعلم أن الذي أعطاه قادر على أن يسلبه ما أعطاه ؟ ألم يعلم الغني ماذا فعل اللّه بقارون ، الذي أوتي من المال ، ما إنّ مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة ، أين هو الآن ؟ خسفت به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة ، لم يكن مطلوبا منه إلا أن يشكر مسدي النعمة ويخرج زكاتها ، هل تراه الآن يصبر على ما هو فيه من العذاب ، مسليا ومصبرا نفسه بتنعمه في الدنيا ؟ كلا والله ، نسي ما كان من نعمة ، مع أول غمسة في العذاب ، والغنيّ لم يبتل فقط بإخراج الزكاة ، بل ابتلي بأكثر من ذلك ، ابتلي بمرض الكبر والعجب ، وتعلّق أنظار الفقراء به ، لحاجتهم له ، وترفّع نظره عنهم لغناه بما عنده ، ابتلاه اللّه بالخادم في المنزل ، والسائق في السيارة ، والفقير عند باب المسجد ، والمسكين على قارعة الطريق ، هل عطف عليهم ؟ هل تواضع لهم ؟ هل اهتم بهمومهم ، هل قضى لهم حوائجهم ، كل ذلك فتنة ؟ يسأل عنها الغنيّ يوم القيام لذلك فالفقير والغني في الابتلاء سواء . وأعود فأقول : ما زالت الأمة فيها الفقير والغني ، والرسول قد أوصى معاذا عندما ذهب إلى اليمن فقال له في حديث البخاري : « فأخبرهم أنّ اللّه قد فرض عليهم صدقة ، تؤخذ من أغنيائهم فتردّ على فقرائهم ، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإيّاك وكرائم أموالهم ، واتّق دعوة المظلوم ، فإنّه ليس بينه وبين اللّه حجاب » « 1 » . أي لا يأخذ من أموالهم إلا حق الفقير وهو الزكاة ، فالإسلام لا يعرف الشيوعية ولا الاشتراكية ولا التأميم ولا مصادرة الأموال ، بل إن تعظيم الشرع لحرمة المال قد وصل إلى أن قرن اللّه - سبحانه وتعالى - بين القتل وأكل أموال الناس بالباطل ، كأنهما في الإثم سواء ، ومعلوم من الدين حرمة القتل وشناعة عقوبته . قال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا
هامش
( 1 ) جزء من حديث أخرجه البخاري ، كتاب : الزكاة ، باب : أخذ الصدقة من الأغنياء وترد في الفقراء ، برقم ( 1496 ) من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه .