شاهد على التخفيف في المخالفات : عن أبي هريرة قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إنّ اللّه تجاوز لأمّتي ما حدّثت به أنفسها ما لم يتكلّموا أو يعملوا به » . رواه مسلم « 1 » .
وهذا شاهد آخر على إرادة اللّه - عز وجل - التخفيف على هذه الأمة ، ولكن في مجال المخالفات الشرعية حيث لم يؤاخذها على حديث النفس والوسوسة .
بعض فوائد الحديث :
الفائدة الأولى :
عظيم شأن النبي صلى اللّه عليه وسلم عند ربه - تبارك وتعالى - ، ودليله من الحديث قوله : « إن اللّه تجاوز لي » ، فكان هذا التجاوز إكراما له صلى اللّه عليه وسلم في أمته ، ويتفرع عليه علمنا بكبير فضل النبي صلى اللّه عليه وسلم على أمته ، إذ ببركته حدث هذا التجاوز عن الوسوسة .
الفائدة الثانية :
رحمة اللّه - تبارك وتعالى - بهذه الأمة ، إذ اختصّها عن سائر الأمم بالتجاوز عن الوسوسة وحديث النفس ، والدليل قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه تجاوز لي عن أمتي » ، ولو حدث ذلك لكل الأمم السابقة ما ذكره النبي صلى اللّه عليه وسلم على سبيل امتنان اللّه عليه .
كما أن وجه الرحمة في هذا التجاوز أن حديث النفس والوسوسة من الأمور التي يصعب على الإنسان - إلا من رحم ربي - أن ينفك عنها ، وهي ملازمه للإنسان في كل وقت ، والمؤاخذة عليها تسبب قطعا الحرج الذي وعد اللّه أن يرفعه عن هذه الأمة بدليل قوله تعالى :
وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ
[ الحج : 78 ] .
الفائدة الثالثة :
ما هي الوسوسة التي تجاوز اللّه عنها لهذه الأمة ؟
قال الإمام ابن حجر رحمه الله : ( والمراد نفي الحرج عما يقع في النفس حتى يقع العمل بالجوارح أو القول باللسان على وفق ذلك ، والمراد بالوسوسة تردد الشيء في النفس من غير أن يطمئن إليه ويستقر عنده ، ولهذا فرق العلماء بين الهم والعزم ) « 2 » .
وقال الإمام النووي رحمه الله ما نصه : ( فأما الهم الذي لا يكتب فهي الخواطر التي لا توطن النفس عليها ولا يصحبها عقد ولا نية ولا عزم ) « 3 » ، كما قال رحمه الله : ( وقد تظاهرت نصوص الشرع بالمؤاخذة بعزم القلب المستقر ومن ذلك قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
[ النور : 19 ] ، وقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ
[ الحجرات : 12 ] ،
هامش
( 1 ) مسلم ، كتاب : الإيمان ، باب : تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر بالقلب ، برقم ( 127 ) .
( 2 ) انظر « فتح الباري » ، ( 5 / 161 ) .
( 3 ) شرح النووي على صحيح مسلم ( 2 / 151 ) .