تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً
[ النساء : 29 ] .
فهل نتعلم هذا الدرس العظيم ، ونعلم أن الغنى والفقر من اللّه لا محالة اختبارا وامتحانا ، وأن الغنى الحقيقي يوم القيامة ، وأن الفقر الحقيقي يوم تقوم الساعة ، قال تعالى :
إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ ( 1 ) لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ ( 2 ) خافِضَةٌ رافِعَةٌ
[ الواقعة : 1 - 3 ] ، فالخفض والرفع الحقيقي في الآخرة ، وليس في الدنيا ، فالسعيد فيها من رفع ، والشقيّ فيها من خفض .
الفائدة الثانية :
وهي منقبة عظيمة لفقراء الصحابة ، فللفقراء في كل بلد مطالب وهموم بل ولهم آمال ، ومن آمالهم زيادة قدر الصدقات الممنوحة لهم ، لتخفف عنهم عوز الحاجة ، وتضمن لهم المعيشة الهنية والعيشة السوية ، وقد يذهبون إلى الحاكم ، يشتكون إليه ما فيه الأغنياء من ترف ورغد ، بل قد يثور الفقراء على الأغنياء ، كما حدث قبل الثورة البلشفية في روسيا ، فهل حدث هذا من فقراء العصر النبوي ؟ لا ، إنهم لم ينظروا إلى الأغنياء ، يريدون ما عندهم ، ما فكروا إلا في أمر واحد ، وهو أن الأغنياء لهم فضائل أموال يتصدقون بها ، ويحجون بها ، ويجهزون بها المجاهدين ، وليس عندهم - أي الفقراء - ما ينفقونه في سبيل الله ، فتكون للأغنياء أجور عظيمة ، والفقراء محرومون منها ، فكيف المخرج وما السبيل ؟ يريدون فضل اللّه في الآخرة ، وانظر إلى قولهم في آخر الحديث :
( سمع إخواننا أهل الأموال ) وهم صادقون في قولهم : إن الأغنياء إخوان لهم .
الفائدة الثالثة :
في الحديث مناقب عظيمة لأهل الأموال من الصحابة رضي الله عنهم منها :
1 - بيان مدى حرصهم على فضائل الأعمال ، كالصدقة والعتق ، وكذا الحج والعمرة والجهاد ، كما ثبت في رواية عند مسلم ، مع همتهم العالية في بقية العبادات ، كالصوم والصلاة .
2 - أنهم لم يستكثروا ما هم فيه من الخير الحاصل لهم ، من الصدقة والحج والجهاد ، بل سارعوا إلى مشاركة الفقراء في ذكر ختم الصلاة ، فلم يقولوا : هذه عبادة الفقراء حتى يدركوا ما نحن فيه من فضل ، ولم يقولوا : كفى ما نحن فيه من خير ؟ بل سارعوا إلى الزيادة ، وحرصوا على الريادة ، فانظر كيف ربّى النبيّ الأغنياء والفقراء ، على حد سواء ، فلا حسد ولا غل عند الفقراء ، ولا تكبر ولا ترفع عند الأغنياء .
الفائدة الرابعة :
التوفيق للطاعات والقربات ، محض فضل من اللّه عز وجل ، حيث