وتعالى - العجيبة الذي وضع في هذه الشربة من الكوثر ما يقطع عن الإنسان الإحساس بالظمأ طوال حياته الأبدية في الجنة .
12 - سلامة معتقدات وارديه : قد يكون الملك الداعي إلى الطعام في الدنيا تقيّا ورعا لا يحب أن يأكل طعامه إلا الأخيار من الناس فيدعوهم إلى مأدبته ، ولكن لا يأمن أن يدخل معهم المنافقون وأصحاب الأهواء ومرضى القلوب ، ولكن اللّه - سبحانه وتعالى - من بالغ عنايته لكوثر نبيه حرسه وأمر ملائكته أن يردوا تلك الأصناف فلا يردون الكوثر ، ورد عند البخاري عن سهل بن سعد يقول : سمعت النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم يقول : « أنا فرطكم على الحوض ، فمن ورده شرب منه ، ومن شرب منه لم يظمأ بعده أبدا ، ليرد عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني ثمّ يحال بينني وبينهم ، فأقول : إنّهم منّي ! ! فيقال : إنّك لا تدري ما بدّلوا بعدك ، فأقول : سحقا سحقا لمن بدّل بعدي » « 1 » .
ويتفرع عليه : شؤم الابتداع في الدين حيث يحرم من ابتدع بركة الشرب من الكوثر ، بل يحرم من ورود الحوض أصلا ، ويا ليتهم حرموا الشراب من الكوثر فحسب ، وإن كانت هذه مصيبة ، ولكنهم حملوا معها المصيبة الأعظم ، وهي دعاء النبي صلى اللّه عليه وسلم عليهم .
13 - اختيار الاسم : من أوجه عناية اللّه - سبحانه وتعالى - لكوثر حبيبه صلى اللّه عليه وسلم وجه قد يغافل عنه الكثير ، ولكني أعتقد أنه ذروة الاعتناء ، هو الاعتناء باسم النهر ، فقد أكرم اللّه سبحانه وتعالى - تسميته ، حين جعل له اسما كريما يتضمن معاني كثيرة ، فإن الكوثر معناه في اللغة : الخير الكثير ، قال الإمام القرطبي : ( والكوثر فوعل من الكثرة : مثل النوفل من النفل والجوهر من الجهر ، والعرب تسمي كل شي كثير في العدد والقدر والخطر كوثرا ، قال سفيان : قيل لعجوز رجع ابنها من السفر : بم آب ابنك ؟ قالت : بكوثر ، أي :
بمال كثير . والكوثر من الرجال : السيد الكثير الخير ) « 2 » . وبعد أن ذكر رحمه الله ستة عشر قولا لمعاني الكوثر الذي أعطاه اللّه لنبيه صلى اللّه عليه وسلم ختمها بقوله : ( وجميع ما قيل بعد ذلك في تفسيره قد أعطيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم زيادة على حوضه صلى اللّه عليه وسلم تسليما كثيرا ) « 3 » . انتهى .
14 - ذكره في القرآن العظيم : أختم أوجه اعتناء اللّه - سبحانه وتعالى - لكوثر نبيه صلى اللّه عليه وسلم بأعظم هذه الأوجه وأعلاها منزلة ألا وهي ذكر الكوثر في القرآن الكريم ، بل نزول سورة باسمه ، وهذا أبلغ التشريف للنبي صلى اللّه عليه وسلم .
هامش
( 1 ) سبق تخريجه .
( 2 ) انظر « الجامع لأحكام القرآن » ، ( 20 / 216 ) .
( 3 ) انظر المصدر السابق ، ( 20 / 218 ) .