لبيان شرفه ، وعظيم منزلته عند ربه ، لأنه لا يمكن أن يتردد على الملك ويكثر عليه في الطلب ، إلا من يحبه الملك أشد الحب .
شفاعته صلى اللّه عليه وسلم في عمه أبي طالب ؛ لما ورد عند البخاري ، عن أبي سعيد الخدريّ رضي اللّه عنه أنّه سمع النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم وذكر عنده عمّه فقال : « لعلّه تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النّار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه » « 1 » .
ط - ومن أتم الأمور التي تبين منزلة النبي صلى اللّه عليه وسلم عند ربه ، أنه أخبره في حياته بكل ما خبأه له يوم القيامة ، من شرف ورفعة وسؤدد على الخلق كلهم جميعا ، وذلك على وجه التفصيل لا الإجمال ، وما كان هذا الإخبار ليحدث ، لولا علم اللّه التام ، بأدب النبي صلى اللّه عليه وسلم ، مع ربه ، وبالغ خوفه وتقواه وخشيته لله - عز وجل - ، ومن فوائد ذلك الإخبار :
أن يزداد النبي صلى اللّه عليه وسلم شكرا لله ، على هذه المنزلة العظيمة ، وتقرّ عينه في الدنيا ، بعلمه القرب من خالقه ، ومنزلته يوم القيامة .
أن تعلم الأمة منزلة نبيها ، صلى اللّه عليه وسلم ، في الآخرة ، كما علمت منزلته في الدنيا ، فيزداد حبها واتباعها له ، طمعا أن ينالها شفاعته في الآخرة .
6 - رحمة وشفقة النبي صلى اللّه عليه وسلم بهذه الأمة ، حيث كان أول سؤال له في أمته ، قال :
« فأقول : أمتي يا رب أمتي يا رب » ، فاجتهاده في السؤال والتوسل إلى الله ، يدل على حبه لأمته ، وكذا تكرار الشفاعة ، حتى يرضى بخروج من قال لا إله إلا اللّه من النار ، ويجب أن ننتبه إلى أنه صلى اللّه عليه وسلم أضاف الأمة إلى نفسه ، من باب التوسل إلى اللّه - عز وجل - أن يرحمها ، فبهذه الإضافة تتنزل رحمات اللّه المتتابعة ، ولو كان هناك إضافة أعظم من نفسه ، لأضاف الأمة إليها ، كأن يقول مثلا : ( يا رب أمة الإسلام ) أو ( يا رب خير أمة أخرجت للناس ) ؛ لأن الموقف يستلزم تأدبا مع اللّه أن يتوسل بأعظم الأمور حتى ينفرج الكرب والهم .
ومن دلائل شفقته ورحمته صلى اللّه عليه وسلم ، أنه خبأ دعوته شفاعة لأمته في هذا الموقف العظيم ، فلكل نبي دعوة مستجابة ، وقد استنفذ هذه الدعوة نوح ، ولذلك اعتذر عن الشفاعة ، وقد ورد عند البخاري ، عن أبي هريرة : أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « لكلّ نبيّ دعوة مستجابة يدعو بها ، وأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمّتي في الآخرة » « 2 » .
هامش
( 1 ) البخاري ، كتاب : الدعوات ، باب : لكل نبي دعوة مستجابة ، برقم ( 6304 ) .
( 2 ) البخاري ، كتاب : أحاديث الأنبياء ، باب : قول الله تعالى : وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا ، برقم ( 3358 ) .