تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمائل الرسول ( ص ) — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
فتتعلم أمته هذا الهدي النبوي ، قال أبو هريرة : ( فحمد الله وأثنى عليه ) .

الفائدة الثانية : مناقب أبي هريرة :

1 - استعفافه :

حيث إنه لم يسأل الناس رغم شدة جوعه ، حتى ظن من يمر به أن به صرعا أو جنونا ، ومع ذلك استعفف ولم يسأل ، والله قد رباهم على ذلك ، حيث مدح في كتابه العزيز هذه الطائفة ، فقال :
يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً
[ البقرة : 273 ] ، كما رباهم النبي صلى اللّه عليه وسلم على ذلك ، فقد روى البخاري بإسناده عن الشّعبيّ قال : حدّثني كاتب المغيرة بن شعبة قال : كتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة أن اكتب إليّ بشيء سمعته من النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم فكتب إليه سمعت النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم يقول : « إنّ اللّه كره لكم ثلاثا : قيل وقال ، وإضاعة المال ، وكثرة السّؤال » « 1 » ، فإذا كان أبو هريرة قد تعفف عن سؤال ينجيه من الهلاك ، فمن باب أولى ، أن يتعفف المسلم عن سؤال ما يكمل به حياته ، وأن يتعفف من باب أولى في باب العبادات ، ومثاله ، الذين يطلبون الحج مع الناس لينفقوا عليهم ، ولا يجدون في ذلك غضاضة في أنفسهم ، أو يخرجون من بيوتهم قاصدين الحج ، وليس معهم زاد ، ويقولون نحن المتوكلون ، وفي نيتهم النزول عالة على غيرهم ، هذا كله مخالف لسنة الحبيب صلى اللّه عليه وسلم .

2 - كمال طاعته للرسول صلى اللّه عليه وسلم :

يتبين ذلك من : أ - مسارعته إلى دعوة أهل الصفة ، امتثالا لأمر النبي صلى اللّه عليه وسلم ، مع ما كان يشعر به من جوع ، واعتقاد أنه أولى الناس بهذا اللبن ، ليتقوى به ، فلم يجادل أو يراجع النبي صلى اللّه عليه وسلم في أمره ، بل لم يطلب منه أن يشرب من اللبن قبل دعوة أهل الصفة ، ليذهب ما يجده من شدة الضعف ، وهذا أدب ما بعده أدب ، امتثلوا أمر الله سبحانه وتعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ
[ الحجرات : 1 ] ، وفهموا أن عدم التقديم يشمل كل شيء ، في العبادات والعادات . ب - طاعته للرسول ، في تكرار الشرب من القدح حتى امتلأت معدته ، ولم يتوقف عن الشرب إلا بعد عدم وجود منفذ للزيادة ، كأنه إذا زاد من اللبن ، فلن يصل إلى معدته ، وكان من أدبه أنه لم يردّ أمر النبي بزيادة الشرب تصريحا ، بل قدّم العذر الخارج عن إرادته ، فقال : ما أجد له مسلكا .
هامش
( 1 ) رواه البخاري ، كتاب الزكاة ، باب : قول الله تعالى : لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً [ البقرة : 273 ] ، برقم ( 1477 ) .