بينه وبين محمّد ، وجعلت عمر أحدهما أكثر من الاخر ، فاختار علي الموت واثر محمّدا بالبقاء وقام في مضجعه ، اهبطا فاحفظاه من عدوّه .
فهبط جبريل وميكائيل فقعد أحدهما عند رأسه والاخر عند رجليه يحرسانه من عدوّه ويصرفان عنه الحجارة ، وجبريل يقول :
بخ بخ لك يا بن أبي طالب من مثلك يباهي اللّه بك ملائكة سبع سماوات !
وخلّف عليا لردّ الودائع التي كانت عنده ، وصار إلى الغار فكمن فيه ، وأتت قريش فراشه ، وجعل المشركون يرمون عليا بالحجارة ، كما كانوا يرمون رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم وهو يتضوّر ( أي يتقلّب ) وقد لفّ رأسه في الثوب لا يخرجه حتّى أصبح ، فهجموا عليه .
فلمّا بصر بهم علي عليه السّلام قد انتضوا السيوف وأقبلوا عليه يقدمهم خالد بن الوليد ، وثب به علي عليه السّلام فختله وهمز يده فجعل خالد يقمص قماص البكر « 1 » ، ويرغو رغاء الجمل ، وأخذ من يده السيف وشدّ عليهم بسيف خالد ، فأجفلوا أمامه اجفال النعم إلى خارج الدار ، وتبصّروه فإذا علي .
قالوا : وإنّك لعلي ؟
قال : أنا علي . قالوا : فإنّا لم نردك ، فما فعل صاحبك ؟ « 2 » . قال : قلتم له اخرج عنّا ، فخرج عنكم . فطلبوا الأثر فلم يقعوا عليه ، وأعمى اللّه عليهم المواضع ، فوقفوا على باب الغار وقد عشعشت عليه حمامة . فقالوا : ما في هذا الغار أحد ، وانصرفوا .
وخرج رسول اللّه متوجها إلى المدينة ، ومرّ بامّ معبد الخزاعية فنزل عندها .
ثمّ نفذ لوجهه حتّى قدم المدينة ، وكان جميع مقامه بمكّة حتّى خروجه منها إلى المدينة ثلاث عشرة سنة من مبعثه . وروى بعضهم : ما علمت قريش أين توجّه رسول اللّه حتّى سمعوا هاتفا من بعض جبال مكّة يقول :
فإن يسلم السعدان يصبح محمد * بمكّة لا يخشى خلاف المخالف
هامش
( 1 ) اي يصرخ من الألم .
( 2 ) أمالي الشيخ الطوسي 2 / 82 ، 83 ، تاريخ اليعقوبي 2 / 39 ، النور والبرهان ، ابن الصباغ المالكي ، الأصل المطبوع بكراچي .