تخطي إلى المحتوى الرئيسي

السيرة النبوية ( الندوي ) — صفحة 612

مساهمون:

ص٦١٢
الرحمة التي قدمناها أولا ، وتذوب أمام هذا المظهر الرائع الأخّاذ من الرحمة ، إنها ليست منّة على الطفل فقط ، بل على أسرته كلّها . نرى أعمى يمشي متوكّئا على عصاه ، قد شارف هوّة عميقة أو بئرا ، قد تكون خطوته التالية خطوة الموت ، فيهرول إليه عبد من عباد اللّه ويأخذ بحجزه ، ويمنعه عن الوقوع في هذه الهوّة ، أفلا نسمّيه ملك الرحمة ؟ هذا شابّ يافع ، قرّة عين أبويه ، وكفيل عائلته الفقيرة ، قد أشرف على الغرق في نهر فائض يحاول أن يطفو على الماء ، ولكن بدون جدوى ، فيقفز إليه رجل مجازفا بحياته ، ويأخذ به إلى ساحل النجاة ، فيحمله ربّ الأسرة أو إخوة هذا الشاب على أعناقهم ، ويضمّونه إلى صدورهم بحرارة وحبّ ، ولا ينسون فضله على أسرتهم الصغيرة مدى الدهر ، ترى هل تساوي مظاهر الرحمة الأولى هذه الرحمة العظيمة الغالية ؟ ! ! .

3 - البعثة المحمدية أنقذت الجيل البشري من الشقاء والهلاك :

ولكنّ آخر مظهر من مظاهر الرحمة وقيمتها وذروة سنامها ، هي أن ينقذ رجل الإنسانيّة كلّها من الهلاك ، وهناك فرق عظيم بين هلاك وهلاك ، وبين خطر وخطر ، ذلك هلاك محدود سطحيّ ، وخطر عابر قد يزول ، وهذا هلاك أبديّ ، وخطر مستمرّ لا يزول ، لذلك فإنّ رحمة الأنبياء بالنوع البشريّ لا تقاس أبدا على هذه الرحمات ، رغم أهميّتها وعظمتها . إنّ أمامنا بحرا هائجا مائجا من الحياة لم يلتقم الأفراد والآحاد فحسب ، بل إنّه ابتلع الأمم والبلاد ، وهضم الحضارات والمدنيّات ، ترتفع أمواجه العاتية الهائلة ، كأفواه التماسيح الفاغرة ، وتنقضّ على الجماعات البشريّة كالأسد الضاري ، والمشكلة أنّه كيف نعبر هذا البحر الهادر الزاخر الذي لا يعرف الرحمة ؟ ، وكيف ننزل بسفينة الإنسانية على برّ الأمان ؟ .
السيرة النبوية ( الندوي ) — صفحة 612 | السيد علي الحسني الندوي