تخطي إلى المحتوى الرئيسي

السيرة النبوية ( الندوي ) — صفحة 611

مساهمون:

ص٦١١
والفلاح على أرضها المجدبة القاحلة ، وكانت هذه المعطيات المحمديّة الغالية منقطعة النظير بحساب السعة والوفرة ، والحجم والكميّة
( Quantity )
وبحساب النفع والإفادة والجوهر والكيفية
( Quality )
أيضا . ( الرّحمة ) لفظ شاع استعماله في حياتنا اليوميّة ، وهو يطلق على كلّ شيء ينال به الإنسان نفعا وراحة ، أمّا أنواع الرحمة وأقسامها ، ودرجاتها ومدارجها ، فلا حصر لها ، يقدّم أحدنا الماء البارد إلى أخيه العطشان ، ويدلّ المسافر والغريب على الطريق ، ويحرّك له المروحة في يوم صائف شديد الحرّ ، الأمّ تحنو على طفلها ، الأب يربّي ولده ويعلّمه ، ويزوّده بحاجيات الحياة ، المدرّس يدرّس تلاميذه ، ويمنحهم ما عنده من نعمة العلم ، وهكذا إطعام الجائع المسكين ، وإكرام الضيف ، وكساء العريان ، كلّ ذلك من مظاهر الرحمة العامة ، وألوانها المختلفة الزاهية ، وهي تستحقّ منّا كلّ تقدير ، واعتراف ، وشكر . ولكنّ أكبر مظهر من مظاهر الرحمة ، وأروع صورة من صورها الجميلة أن ينقذ أحدنا أخاه من مخالب الموت ، هناك طفل صغير بريء نراه في حالة الاحتضار ، كاد يلفظ نفسه الأخير ، الأمّ تقف إلى جواره تبكي ، قد أظلمت الدّنيا في ناظريها ، وانقطع أملها في فلذة كبدها ، ومأوى حنانها وحبّها ، الأب يسعى هنا وهناك هائما على وجهه ، فلا يجد راقيا وأنيسا ، هنالك يأتي طبيب حاذق ، كما ينزل الملك من السماء ويقول مهلا . . لا داعي للقلق ، ولا موجب لليأس ، ولا يلقي في فم الطفل قطرات قليلة من الدواء حتّى يفتح عينيه وينشط . تصوّر ماذا يقال لهذا الطبيب ؟ ألا يقال له : أنّه ملك الرحمة ، أرسله اللّه لإنقاذ هذا الطفل ، وإعادة الحياة إليه ؟ هنالك تتلاشى كلّ هذه الأنواع من