تخطي إلى المحتوى الرئيسي

السيرة النبوية ( الندوي ) — صفحة 608

مساهمون:

ص٦٠٨
الواعي مرورا عابرا سريعا ، فإنّ مساحته الزمنيّة تحوي جميع الأجيال ، والأدوار التاريخيّة التي تتلو البعثة المحمدية ، ومساحته المكانيّة تسع العالم كلّه ، فإنّ اللّه سبحانه وتعالى لم يقل : إنّنا أرسلناك رحمة لجزيرة العرب ، أو للشرق أو الغرب أو لقارّة مثل آسيا مثلا ، بل إنّه قال :
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
[ الأنبياء : 107 ] . الحقّ أنّ سعة هذا الإعلان وشموله ، وعظمته وسموّه ، واستمراره وخلوده ، كلّ ذلك يقتضي أن يقف عنده مؤرّخو العالم وفلاسفته ، ونوابغه وأذكياؤه حيارى مشدوهين ، بل يقف أمامه الفكر الإنسانيّ كلّه حائرا مشدوها ، وينقطع إليه كلّيا - ردحة من الزمان - يبحث في مدى صدق هذا الإعلان ، أو صحة هذا الواقع ، لأنّنا لم نجد في تاريخ الأديان والنّحل ، وفي تاريخ الحضارات والفلسفات وتاريخ الحركات الإصلاحيّة والمحاولات الثوريّة ، بل في تاريخ العالم كلّه ، وفي المكتبة الإنسانيّة بأسرها مثل هذا الإعلان المحيط بالكون كلّه ، والأجيال البشريّة كلّها ، والأدوار التاريخيّة بأجمعها ، حول أيّ شخصيّة من شخصيّات العالم ، حتّى إنّ خلاصة تعاليم الأنبياء السابقين ، ونبذة من أحوالهم وسيرتهم الّتي وصلت إلينا هي أيضا مجرّدة عن مثل هذا الإعلان . أمّا اليهوديّة - وهي ديانة قديمة مشهورة - فإنّها تنظر إلى اللّه كربّ بني إسرائيل ، وإله بني إسرائيل في الغالب . إنّ صحف العهد القديم ، والكتب المقدسة الدينيّة عند اليهود تخلو عن ذكر اللّه كربّ العالمين ، وربّ الكون بتاتا ، ولذلك فالبحث في سيرة نبيّ من أنبيائهم ، مثل موسى وهارون ، أو داود وسليمان ، عن مثل هذا الإعلان ، عبث وإضاعة وقت ، فإنّ هذه الديانة لم تكن - في أيّ مرحلة من مراحلها - رسالة رحمة ومساواة للجيل الإنسانيّ