وهذا المرتقى يستطيع اعتلاءه من أخذ به إيمانا وعقيدة وعملا « 1 » . يقول الرسول الكريم صلّى اللّه عليه وسلم : « ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل » . كما يقول صلّى اللّه عليه وسلم : « الإيمان تصديق بالجنان وقول باللسان وعمل بالأركان » « 2 » . ويقول ابن عمر : تعلمنا الإيمان ثم القرآن .
والصعود من السفوح لها متطلبانهم ، والحصول على مستوى رفيع من الفقه الراقي العجيب لهذا الدين وآفاقه . وانظر أنه حين قدم خراج العراق إلى عمر ، خرج مع مولى له يعدّ الإبل فإذا هي كثيرة ، فجعل عمر يقول : الحمد للّه تعالى ، ويقول مولاه : هذا من فضل اللّه ورحمته . فنهره عمر وقال :
ليس هذا هو الذي يقول اللّه تعالى
قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ
[ يونس : 58 ] . فالرحمة عنده - وعندهم - هي ما جاءهم من اللّه من موعظة وهدى ، وكل ما عداه تابع « 3 » .
فبهذا الدين وحده تقوم البشرية - من أي جنس كانت - وهو الموجّه إلى أهل الأرض أجمعين ، وبه وحده يحقّق إنسانيتها وترقى إلى مستوى تعمر الحياة وتبنيها وتعرف مهمتها وتقيم حضارتها . وما يصنعه هذا الدين دوما كثيرا وكثيرا جدا ، كما جرى ذلك في الجولة الأولى .
وبجانب علو البناء الإنساني بمنهج الإسلام ، ولا يكون بغيره ، المتمثل في واقع الحياة في سيرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والصحابة ومن تبعهم ، فإن هذا يفصح كذلك عن أن الإسلام منهج عملي - وتلك من معالمه وطبيعته وحقيقته - لا ينفك عن ذلك . وبجانب كل ما يفهم من وصفه عملي - تنفيذيته وحياتيته ومثاليته ( حب وبناء ) - جاء ليطبق في واقع الحياة .
والمسلم الذي يفشل أو يتخاذل أو يتجاهل ذلك - إهمالا وعجزا وضعفا
هامش
( 1 ) انظر : أعلاه .
( 2 ) انظر : أعلاه .
( 3 ) انظر : التفسير ، ( 3 / 1799 ) وبعدها . أدناه ، ص 407 .