كانوا مؤمنين بصدق وعد اللّه ، وإن لم يدركوا نصره ، لكن النصر كان في النفس قائما ، وفي العين ماثلا ، يعيشونه حقيقة واقعة ، هو أن يعيش المسلم بهذا الدين ، يجاهد في سبيله ، ما دام فيه نفس يتردد ، وآل ياسر - قلبي على آل ياسر - « صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة » « 1 » .
فاستشهد غرقا بالماء شيخا كبيرا ، ياسر أبو عمار . وسبقته إلى رحاب اللّه في جنة الخلد ، زوجته سميّة بحربة فاجر أثيم وكافر لئيم ، أبو جهل ، طعنها في مقتل ، في قبلها ، في موطن العفة منها .
وكل يوم تشتد المحنة ضيقا ، لم يفلت منها أحد من المسلمين ، كل قريش تقوم بذلك ، متعاونة في كل اتجاه ، لم يصدهم كل ما يعرفونه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وموقفهم منه ، ودعوته لهم لينالوا خيري الدنيا والآخرة ، فيجبهونه والمسلمين بتلك الأساليب التي هي أشد على النفس في كل الظروف ، وبلغت إحدى كبر وأكبر عتواتها في المقاطعة « 2 » ؛ التي قاسى المسلمون فيها ثلاث سنوات من الحصر والجوع ، ما نال منه أوفر القسط رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . فشدّ حجرين تحت الحزام إلى جانب ما يرى من شدة حال المسلمين . والنساء باكيات لا سيما على أطفالهن ، إذ لم يجدن بعض الحليب يرضعنهم به .
وهل يتدفق بالحليب ثدي أم لا تجد طعاما فهي خاوية ! ! ؟ وهم متعلقون بالدعوة وداعيها أكثر من تحقيق الرغبة في ملء البطون ، وقد اختاروا هذا الطريق اختيارا ، فكان مدد الدعوة أعلى وأقوى من كل مدد ، ماديا ونفسيا ، من اللّه رب العالمين .
ما أعجب هذا الإيمان باللّه تعالى ودعوته ونبيه ، انظر كيف يجعل صاحبه
هامش
( 1 ) سير أعلام النبلاء ( 1 / 409 - 410 ) ( فهناك تخريجه ) . حياة الصحابة ( 1 / 292 ) .
( 2 ) انظر : سيرة ابن هشام ( 1 / 350 ، 374 ) وبعدها . سيرة الذهبي ( 221 ) وبعدها . زاد المعاد ( 3 / 29 - 31 ) .