لحمه وعظمه ، فما يصدّه ( يصرفه ) ذلك عن دينه . واللّه ! ليتمّنّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا اللّه والذئب على غنمه ، ولكنكم تستعجلون » « 1 » .
وبعد أن يئست قريش من الإغراء والمداراة ، وعرض عليه زعماؤها كل ألوان الإغراء : المال والرئاسة والملك « 2 » ، كانت قريش كل يوم تزداد كبرياء وتعنتا في تعذيب المسلمين ، الذي لم يكن القتل أشدّها إيلاما ، وكانوا لا يتزحزحون ، بالحق - خلال كل ذلك - ينطقون ، وتمسكا يزدادون إيمانا .
فمن ضرب وجه حتى ضاعت معالمه ، وأبو بكر رضي اللّه عنه لا يسأل إلا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فور ما أفاق « 3 » ؛ وأتلفت صخور ثقيلة صدور المؤمنين ، وتنطلق من أفواههم : أحد أحد « 4 » ، مدوية قوية ، مؤمنة باللّه ، تغدق عليهم ندى الإيمان ، وترشق الكافرين بحمم النيران ؛ وسلخت شمس الرمال الحامية ظهور الكثير ، وكان الإيمان حجابا رطّب الظهور « 5 » ؛ ومزقت السياط مشدودا بالحبال « 6 » ، رجلا مقيدة ، وعند اللّه الجزاء ؛ وأطلعت عين مؤمنة بضربة مشرك جلّله صغار العصيان للواحد الديان ، فأجاب عثمان بن مظعون متفاخرا معتزا باللّه : ( واللّه إن عيني الصحيحة ، لفقيرة إلى ما أصاب أختها في سبيل اللّه ) « 7 » .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري : أرقام ( 3416 ، 3639 ، 6544 ) . أعلاه ، 228 - 229 .
( 2 ) سيرة ابن هشام ( 1 / 313 ) .
( 3 ) انظر : سيرة ابن هشام ( 1 / 309 - 310 ) . حياة الصحابة ( 1 / 280 ) .
( 4 ) انظر : سيرة ابن هشام ( 1 / 329 - 340 ) . حياة الصحابة ( 1 / 288 - 290 ) .
( 5 ) أسد الغابة ( 2 / 115 ) . الإصابة ( 1 / 416 ) ، رقم ( 2210 ) . الوافي بالوفيات ( 13 / 287 ) .
( 6 ) انظر : سيرة ابن هشام ( 1 / 317 ) . سير أعلام النبلاء ( 1 / 348 ، 409 ) . سيرة الذهبي ، ( 217 - 218 ) .
( 7 ) سيرة ابن هشام ( 1 / 371 ) . أسد الغابة ( 3 / 599 ) . حياة الصحابة ( 1 / 280 ، 288 ، 290 ، 300 ) .