تخطي إلى المحتوى الرئيسي

السيرة النبوية منهجية دراستها واستعراض أحداثها — صفحة 265

مساهمون:

ص٢٦٥
وكلّ الأمور الآخرى في القرآن الكريم هي من مقتضيات هذه القضية الأساسية الكبرى ( الألوهية الحقة الواضحة ، والربوبية الكاملة ، والعبودية الخالصة ) ، واللّه تعالى يقول :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ
[ الأنبياء : 25 ] . وبذلك ترقّت الأمة المسلمة في سلّم المكانة العالية الزاهية ، وفي قمم العظمة الإنسانية الكريمة ، بتباشير مستقبل البشرية المنير ، ولادة الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وتبعتها ولادة الإنسانية الفاضلة بهذا القرآن الكريم ؛ الذي أنزل اللّه تعالى عليه ، وأمره بإبلاغه للناس كافة .

* الحياة البشرية من الجاهلية إلى الإنسانية :

وحياة الإنسان والإنسانية على الأرض - وفي البشرية أجمعين ، بدون ذلك - يصيبها في هذه الحياة البوار والدمار ، ويورّثها في الآخرة الخسار . فحياة البشر لا تستقيم إلا إذا استقامت هذه الحقيقة الكبرى ، في اعتقادهم وتصورهم ، في حياتهم وواقعهم ، لا تستقيم إزاء الكون الذي يتعاملون مع أحيائه وأشيائه . إذ حين يضطرب تصورهم لحقيقة الألوهية والربوبية والعبودية ، يؤلّهون الأحياء والأشياء ، ولا تستقيم إزاء بعضهم البعض بدون استقامة هذه الحقيقة في كل جنبات الحياة ، ابتداء من ذات الإنسان . وإن إنسانية الإنسان وكرامته وحريته الحقة الكاملة ، لا يمكن أن تتحقق في ظلّ اعتقاد أو نظام أو مبدأ - مهما كان - لا يفرد اللّه سبحانه وتعالى بالألوهية وبالربوبية ، بل ويشرد عن العبودية . وواقع البشر خلال تاريخه يثبت هذه الحقيقة ويصدّقها ، فما من مرة انحرف الناس عن الدينونة للّه وحده ، ودانوا لغيره بالاعتقاد والشعائر أو الأحكام والشرائع ، إلا وفقدوا بذلك إنسانيتهم وكرامتهم وحريتهم . وإن الذين شردوا من العبودية للّه وقعوا في شقوة العبودية لغيره ، والتي أكلت إنسانيتهم وكرامتهم وحريتهم . مهما اختلفت الأنظمة والقوانين ،
السيرة النبوية منهجية دراستها واستعراض أحداثها — صفحة 265 | عبد الرحمن علي جحي