فنزول القرآن الكريم هو بداية المولد بعد المولد ، مولد الإنسان الربّاني الذي تربّى بهذا القرآن . ومع أن اللّه تعالى أراد لدينه النصر ووعد به ، لكنه جعل ذلك حسب سننه الحكيمة التي وضعها ، وكان هذا واضحا ومستيقنا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، بما أوحاه اللّه إليه ، وقد علّمه للمسلمين الذين وعوه ، لكنهم جاهدوا معه حق الجهاد ، وكان أحدهم يستقلّ نفسه في سبيل اللّه ، حتى إن المسلم ليتمنى أن يستجمع عمره لينفقه في أي حدث أو موقف أو حال أو معركة ، دفاعا عن الإسلام ، وتحقيقا لنصرته ، وطلبا للشّهادة في سبيل اللّه سبحانه وتعالى .
ومع أنّ ذلك كان واضحا ، ومع أن المسلمين جميعا كانوا على يقين من تحقيق وعد اللّه بالنصر ، إلا أنّهم أيضا كانوا على يقين وقناعة مما عليهم أن يقدّموه في سبيل اللّه ، عشقا حقا ، وغراما صدقا وفداء ووفاء وإقبالا وتنافسا ، ليقوم المجتمع الإسلامي ، ويا بنى وجوده ، وتقوم دولة الإسلام ، وترتفع راية القرآن ، وعند اللّه خير الجزاء في الجنان إلى جوار الرحمن سبحانه وتعالى . فإنّ تلك سنّة اللّه ، وهي كذلك تماما تحقيق لمقتضيات الإيمان ، ونصرة لدولة القرآن ، وتقديم لافتداء العاشق الولهان .
فما كان يفكر أحدهم في النكوص ؛ الذي ليس هو من صفات المؤمن ، ولا ينظر أبدا في التّراجع ، وقد برّأهم اللّه من ذلك . وهم الذين اجتنبوا السبع الموبقات ، ومنها التّولّي يوم الزّحف « 1 » .
فكان الإقبال كاملا ، والمحبة عميقة ، تدفع المؤمن ليطير إلى كل أفق كريم ، وسط الأعاصير يزاحمها ، وفوق الأمواج يعلوها ، ويمتطيها ، وبين الأسنّة يقارعها ، ونحو القمم يجاورها ويحاورها .
هامش
( 1 ) من حديث شريف رواه البخاري ( رقم 2615 ) ونصه : « اجتنبوا السبع الموبقات » قالوا : يا رسول اللّه وما هن ؟ قال : « الشرك باللّه ، والسحر ، وقتل النفس التي حرم اللّه إلا بالحق ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم ، والتولّي يوم الزحف ، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات » .