تخطي إلى المحتوى الرئيسي

السيرة النبوية منهجية دراستها واستعراض أحداثها — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
تؤتى عزائمه » « 1 » . إن هذه الرخص رخص العبادة ، أما في الحياة والمواقف فالعزيمة أولى وأدعى وأجدى . وإن الذين بنوا الحياة الإسلامية هم أهل العزائم ، في كل موطن وموقع ، في البذل والتضحية والإقدام عليها ، حبا ورضا وقربى . ويوم يكثر الأخذ بالرخص في أمور الحياة وتحقيق معاني الإسلام فيها ، فقد تردت الأمور ونصل بها إلى أضعف الإيمان ، الذي هو الاستنكار القلبي . وحتى هذا يصبح في خطر إذا جرى الاستمرار على الرخص والتّرخّص فيها . والرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان » « 2 » . فالأخذ بالعزيمة هو طبيعة الحياة الإسلامية وسمتها المتميّز ، ونهرها الجاري . وهو زلال متدفق متدافع متسارع . وإن الأخذ بالعزيمة عبادة ، وأحد ثمارها الطيبة ، ولا انفصام بينهما ، يجري بها للتقرب إلى اللّه تعالى . وإن النظرة في سيرة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم تنير هذا البصر والبصيرة وتبني هذا الفهم وتطلق المسلم قويا في الحياة أبيا نقي النفس عالي الهمة . وفي العهد المكي من أول يوم كان صلّى اللّه عليه وسلم إصراره على الدعوة وحملها وإبلاغها لا حدود له . فأي شيء تذكره في حياته تجدها من هذا النوع وعلى نفس النسج ، مهما كانت الشدائد والصعوبات والقوى الباغية . ولا بد أنه قد مرّ بك ماذا قال لعمه أبي طالب حين بدا وكأنه يتخلى عنه بقوله له : يا بن أخي أبق عليّ وعلى نفسك ولا تحمّلني من الأمر ما لا أطيق . فظن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن عمّه خاذله ومسلمه وضعف عن نصرته ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم : « واللّه يا عمّ ، لو وضعوا الشمس
هامش
( 1 ) انظر : تفسير القرطبي ، ( 5 / 356 ) . وكذلك رواه البيهقي . وقد رواه الإمام أحمد بلفظ آخر : « إن اللّه يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته » . المسند ، ( 2 / 108 ) . وكذلك رواه البيهقي . ( 2 ) رواه مسلم ، رقم ( 49 ) . وأبو داود ، ( 1140 ) و ( 4340 ) . والترمذي ، ( 2172 ) . وانظر : رياض الصالحين ، ( 125 ) .