تخطي إلى المحتوى الرئيسي

السيرة النبوية منهجية دراستها واستعراض أحداثها — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨

* الرخص أم العزائم :

ومن هنا فإن الحياة الإسلامية ، لا سيما مجتمع الصحابة الكرام ، ملئ بالعزائم الغالية ، موار بالعظمات العاليات . دعائمه ذلك البناء الرصين ، قام على شرع اللّه المبين ، قدوتهم ومربيهم محمد صلّى اللّه عليه وسلّم الذي اختاره اللّه تعالى لتولي هذه المهمة ، أدّبه ورباه وأعدّه ، فهو يعلمه ويوحي إليه ويوجهه « 1 » . وحتى وقت الشدائد والمآزق ، قلّ جدا وندر - حتى بعد عهد الصحابة الكرام - من أخذ منهم بالرخصة . فكلهم كانوا يأخذون بالعزيمة - رغم وجود الرخصة - وذلك من شدة حبهم للّه تعالى ولرسوله الكريم صلّى اللّه عليه وسلم ، ذلك الحب الرائق المترقرق والاقتناع البليغ المتدفق والحيوية الفعالة ، في ذلك الحب الذي أخذ بهم إلى تلك الآفاق وأجلسهم أو أوقفهم على تلك القمم . وهم يسعون للارتقاء في مسعاهم طبيعة ، لرضا اللّه تعالى والقرب منه ، وهم طليعة البشرية ورواد الحياة السعيدة الفريدة ، مقتدين بالرسول الكريم ومهتدين بهديه صلّى اللّه عليه وسلم . وقد فهموا معنى قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن
هامش
( 1 ) هذه هي مباني الإسلام الفذة الرائعة في تلك الأحوال والظروف ، وفي كل الظروف . وهكذا فالإسلام لا يعبر عن مستواه قياسا إلى غيره بل مستواه المتميز واضح وملحوظ ، أمام كل أحد وفي كل العصور والأمكنة ولا يقاس بما حوله ولا يعتمد تقدمه على أي ظروف ، لكن لا بد من شروط في أتباعه ليقيموا الحياة الإسلامية فيأتي بالعجائب في أي ظروف مهما تملك أهل العصر والمصر . ويوم انطلق المسلمون بهذا الدين ينشرونه انطلقوا وهم لا يملكون مما عند الآخرين من تقدم مدني أو علمي ، وفي ذلك عبرة وحكمة أرادها اللّه تعالى ، للبشرية جمعاء . وهكذا فالإسلام عظيم ودوما هو الموئل والمنهج والطريق للإنسانية ، لإقامة حياتها الفاضلة وحضارتها الإنسانية ، على غير مثال ونسق . فإنه دين اللّه الذي ارتضاه للعالمين حتى يوم الدين . ولا يقبل من أحد غيره . فلا يلحقه أحد أو منهج . وهو مستقل وثابت وسامق ، في كل وقت ، وينشئ الحياة الفاضلة الكريمة ، ابتداء وانفرادا وتميّزا .
السيرة النبوية منهجية دراستها واستعراض أحداثها — صفحة 218 | عبد الرحمن علي جحي