تخطي إلى المحتوى الرئيسي

السيرة النبوية منهجية دراستها واستعراض أحداثها — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
وكرائم ومحامد . ومن هنا كان الرسول الكريم صلّى اللّه عليه وسلّم يدع القادمين إلى المدينة المنورة يقيمون فيها أياما - مسلمين وغير مسلمين - ليروا وليشاهدوا نوعية هذا المجتمع الرباني الذي أنشأه الإسلام ونشّأه بهذا القرآن . فهو تربية وإخراج ، كما قال اللّه تعالى :
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
[ آل عمران : 110 ] . كانت إقامة القادمين إلى المدينة المنورة مقصودة ، على ما يبدو ، ولمدة كثرت أو قلت ، وتكون على الأغلب نحو ثلاثة أيام . وتبين من خلال متابعاتي في السيرة النبوية الشريفة - على صاحبها الصلاة والسلام - أن الذي يأتي إلى المدينة من غير المسلمين - بأي دافع وسبب - لا أحد من الصحابة يشرح له الإسلام على الإطلاق ، ولم يوجّه الرسول الكريم صلّى اللّه عليه وسلّم أحدا ليقوم بذلك ، بل لعل التوجيه ألا يفعله أحد . وأفهم منه أن يترك القادم هو نفسه يتولى معرفة الإسلام من خلال ما يراه من سلوك أهله وأخلاقهم وتعامل مجتمعهم ، وذلك يكفيه وزيادة ، ولدينا أمثلة كثيرة على ذلك كله . كما أن الشرح قد يشير - مما يشير إليه - إلى إجبار القادم - بشكل ما - على قبول الإسلام ، الذي لا يكون إلا بالقبول الذاتي القلبي الأصيل . يلزم به نفسه ويفرح بأخذه منهجا ويا بني حياته عليه . وهو بهذا يسعى إليه ولو على حياته . وهذا ما يريده الإسلام ، وهو الذي رأيناه من هؤلاء الذين يصرون عليه ويأتون إلى المدينة معتمدين متعمدين محتملين حتى من أهليهم فارين إلى مدينته ومجتمعه ونبيه صلّى اللّه عليه وسلم . وبهذا انتشر الإسلام . وهذا يدل دلالة واضحة قوية جادة على نوعية المجتمع المسلم وقوة التزامه وشمول إقباله على منهج هذا الدين . فأينما يلتفت القادم لا يرى إلا عجبا في هذا الدين وماذا صنع بأهله ، إذ أخذهم إلى قممه السامقة وأجوائه العبقة ومجتمعه الكريم الذي صاغه هذا المنهج الرباني الوضئ الجديد الفريد .