تخطي إلى المحتوى الرئيسي

السيرة النبوية منهجية دراستها واستعراض أحداثها — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
وإن قصة جبلة بن الأيهم ، ملك الغساسنة - الذي أصر الخليفة عمر بن الخطاب على تنفيذ العدل فيه ، فهرب وعاد ، ثم ندم « 1 » - لتمثّل دلالة طبيعية معتادة على الإسلام في كل شيء ، والذي يقدّم ميزانه دوما على كل اعتبار ، دون أي حسابات غير حساب موازينه من منهج اللّه المنير والسعي لرضاه سبحانه . ولا يجب أن ننتظر منه غيره ، مثلما لا ينتظر مثله من أي توجّه أو منهج - إن صح ذلك - أو نظام . بل إنه لمن العبث والضياع والتيه انتظار ذلك من غيره ، بل لا نتوقع مطلقا إلا عكسه تماما . أمّا ندم جبلة فلا بد أنه أدرك روعة هذا الإسلام ومحاسنه وتفرده التي حجبت أو تأخرت أو غلبت رؤيتها غروره وزعامته وجاهليته . وقد فات الأوان ، إلا لو أنه أقبل من جديد بقوة وثبات وإقدام يعلن موقفه ، دون تردد ، ولا سيما وهو غارق بدنياه بترفها وأبهتها ونعيمها الزائف الزائل الغرور . أما موعد شرح الإسلام فكان يتم للمسلمين وللقادمين مسلمين أو بعد أو يدخلوه مؤمنين ، أفرادا أو جماعات أو أفواجا . فكان بقاء القادمين إلى مجتمع المدينة لمدة ، ليشهدوا هذا المجتمع القرآني الفريد وليعرفوا من خلال نوعيته هذا المجتمع الذي رباه الإسلام ونشّأه ، وأخرجه اللّه تعالى إلى الحياة مثالا ، بهذا الدين العظيم . وكيف وماذا صنع بهم ، فكانوا ولادة جديدة للإنسان الفاضل الذي أخذ بهذا المنهج الفريد ، المنهج الرباني الوحيد الذي يمكنه أن يصل بالإنسان - فردا ومجتمعا ودولة - إلى هذا الأفق السامي الوضئ ، وبه وحده يكون . فكانوا يندهشون مأخوذين بهذا الإنسان الجديد ، فيأتي إلى الإسلام فرحا طائعا ويصبح من خيرة أبنائه بعد ما كان من ألد أعدائه ، بل ويندم على زمن من عمره أنفقه ، معاديا للإسلام أو بعيدا عنه ، يحاول ملافاته بمضاعفة جهده واجتهاده وجهاده ، مثلما جرى لكثيرين ، منهم : الحارث بن هشام بن
هامش
( 1 ) أخبار عمر ( 193 - 197 ) .
السيرة النبوية منهجية دراستها واستعراض أحداثها — صفحة 176 | عبد الرحمن علي جحي