إليهم واضح ظاهر ، فلم يبق إلا أنهم متعنتون معوّقون لركب الإيمان والعدل والحضارة عن التقدم .
هذا إلى أن الشرك مذهب فاسد ، والمذاهب الفاسدة تحارب ويحارب دعاتها بكل الوسائل ، من قتل أو نفي أو سجن ، وهذا أمر مقرر في القديم والحديث . وها هي دول الحضارة اليوم في سبيل تأمين سلامتها ، بل وفي سبيل إرضاء نزواتها وأهوائها تزهق الآلاف من الأرواح ، ويغمض الناظرون أعينهم عن هذا ولا يعترض المعترضون ، فهل هذا حلال لهم حرام على غيرهم ؟ ! .
فالإسلام حينما لم يقبل من مشركي العرب المحاربين إلا الإسلام بعد ما تبين لهم الحق ، وأصبحوا قلة تعتنق مذهبا فاسدا بجانب الكثرة الكاثرة من العرب التي أسلمت طواعية واختيارا لم يكن متجنيا ولا ظالما ، فالحديث كيفما فهمناه لا ينهض دليلا للمفترين على الإسلام .
4 - ويرد هذه الفرية ويقتلعها من أساسها ما التزمه الرسول صلى اللّه عليه وسلم في سيرته من التسامح مع أناس أسروا وهم على شركهم ، فلم يلجئهم على الإسلام ، بل تركهم واختيارهم . ذكر الثقات من كتّاب السير والحديث أن المسلمين أسروا في سرية من السرايا سيد بني حنيفة - ثمامة بن أثال الحنفي - وهم لا يعرفونه ، فأتوا به إلى رسول اللّه فعرفه وأكرمه ، وأبقاه عنده ثلاثة أيام ، وكان في كل يوم يعرض عليه الإسلام عرضا كريما فيأبى ويقول : إن تسأل مالا تعطه ، وإن تقتل تقتل ذا دم ، وإن تنعم تنعم على شاكر ، فما كان من النبي إلا أن أطلق سراحه .
ولقد استرقت قلب ثمامة هذه السماحة الفائقة ، وهذه المعاملة الكريمة ، فذهب واغتسل ، ثم عاد إلى النبي مسلما مختارا ، وقال له : ( يا محمد ، واللّه ما كان على الأرض من وجه أبغض إليّ من وجهك ، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي . واللّه ما كان على الأرض من دين أبغض إلي من دينك ، فقد أصبح دينك أحب الدين كله إلي . واللّه ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك ، فقد أصبح أحب البلاد إلي ) .
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة — صفحة 99
مساهمون: محمد بن محمد ابو شهبة
ص٩٩