تخطي إلى المحتوى الرئيسي

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة — صفحة 97

مساهمون:

ص٩٧
ويدعو إليه ، ويكره الكفر ويحذّر منه ، ونصوص القران حافلة في هذا المعنى ، ولهذا عقّب اللّه التخيير بقوله محذرا ومنفرا :
إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها
. والكفر رأس الظلم ، فلا يتوهمن أحد أن حمل الآية على التخيير وعدم الإكراه يشعر بإباحة الكفر أو الرضا ، حاشا للّه أن يكون هذا ، ولعل خوف هذا التوهم هو الذي حدا كثيرا من المفسرين على حمل الآية على التهديد والوعيد ، حتى مثّل علماء البلاغة للأمر الذي يراد به التهديد بهذه الآية ، فالآية بنصها تخيير ، ولكنه تخيير يستلزم تهديدا ووعيدا لا محالة في حال اختيار الكفر على الإيمان ، وهي نصوص صريحة في عدم الإكراه على الإسلام . وأما السنة فقد جاءت مؤيدة لما جاء به القران ، وإليك طرفا منها : روى الإمام مسلم في صحيحه بسنده أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان إذا أمّر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى اللّه ومن معه من المسلمين خيرا ، ثم قال : « اغزوا باسم اللّه في سبيل اللّه ، قاتلوا من كفر باللّه ، اغزوا ولا تغلّوا ولا تغدروا ، ولا تمثلوا « 1 » ، ولا تقتلوا وليدا ، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال ، أو خلال ، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم ، وكف عنهم ، ثم ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكفّ عنهم . . . فإن هم أبوا فسلهم الجزية ، فإن أجابوك فاقبل منهم وكفّ عنهم ، فإن هم أبوا فاستعن باللّه وقاتلهم » « 2 » . وهكذا ترى أن النبي لم يأمر بالقتال إلا بعد أن تستنفد الوسائل السلمية ، وليس بعد استنفادها إلا أنهم قوم مفسدون أو يريدون الحرب ، وقد بينت فيما سبق أن الجزية ليست للإرغام على الإسلام ، وإنما هي نظير حمايتهم
هامش
( 1 ) الغلول : الخيانة في الغنيمة ، الغدر : عدم الوفاء بالعهود في الحروب ، المثلة : تقطيع أعضاء المقتول ، وتشويه جسده بعد القتل أو قبله . ( 2 ) صحيح مسلم بشرح النووي ، ج 12 ص 37 ، 39 .