تخطي إلى المحتوى الرئيسي

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١
ليقذف نفسه في البحر فأمّنه ، فأعطاه عمامته ، فأخذها عمير حتى إذا لقي صفوان قال له : ( فداك أبي وأمي . جئتك من عند أفضل الناس وأبر الناس ، وأحلم الناس ، وخير الناس ؛ وهو ابن عمك ؛ وعزه عزك ؛ وشرفه شرفك ، وملكه ملكك ) فقال صفوان : إني أخافه على نفسي . قال عمير : هو أحلم من ذلك وأكرم ، وأراه علامة الأمان وهي العمامة ، وقيل برده ، فرجع إلى رسول اللّه فقال : إن هذا يزعم أنك أمنتني ، فقال النبي : « صدق » ، فقال صفوان : أمهلني بالخيار شهرين ، فقال له رسول اللّه : « بل أربعة أشهر » ، ثم أسلم بعد وحسن إسلامه . فهل بعد هذه الحجج الدامغة يتقوّل متقوّل على الإسلام زاعما أنه قام على السيف والإكراه ؟ ! 5 - ثم ما رأي المبشّرين والمستشرقين في أن من أكره على شيء لا يلبث أن يتحلل منه إذا وجد الفرصة سانحة له ، بل ويصبح حربا على هذا الذي أكره عليه ؟ ولكن التاريخ الصادق يكذب هذا ، فنحن نعلم أن العرب - إلا شرذمة ، تسور الشيطان عليها - ثبتوا على ما تركهم عليه الرسول ، وحملوا الرسالة ، وبلّغوا الأمانة كأحسن ما يكون البلاغ إلى الناس كافة ، ولم يزالوا يكافحون ويجاهدون في سبيل تأمين الدعوة وإزالة العوائق من طريقها حتى بلغت ما بلغ الليل والنهار في أقل من قرن من الزمان ، ومن يطّلع على ما صنعه العرب في حروبهم وفتوحاتهم لا يسعه إلا أن يجزم بأن هؤلاء الذين باعوا أنفسهم رخيصة للّه ، لا يمكن أن يكون قد تطرق الإكراه إلى قلوبهم ، وفي صحائف البطولة التي خطوها أقوى برهان على إخلاصهم وصدق إيمانهم ، وسل سهول الشام وسهول العراق ، وسل اليرموك والقادسية ، وسل شمال إفريقيا تخبرك ما صنع هؤلاء الأبطال . 6 - ثم ما رأي هؤلاء المفترين على الإسلام في حالة المسلمين لمّا ذهبت ريحهم ، وانقسمت دولتهم الكبرى إلى دويلات ، وصاروا شيعا وأحزابا ، وتعرضوا لمحن كثيرة في تاريخهم الطويل كمحنة التتار ، والصليبيين في القديم ، ودول الاستعمار في الحديث ، وكل محنة من هذه المحن كانت كافية للمكرهين
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة — صفحة 101 | محمد بن محمد ابو شهبة