تخطي إلى المحتوى الرئيسي

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
في عدل الحاكم ، وإنصاف المحكومين ، والرحمة الفائقة ، والإنسانية المهذبة في الغزوات والفتوح ، إنه دين الفطرة التي فطر اللّه الناس عليها ، فلا عجب أن أسرعت إلى اعتناقه النفوس ، واستجابت إليه الفطرة السليمة ، وتحمّلت في سبيله ما تحملت ، فاستعذبت العذاب ، واستحلت المر ، واستسهلت الصعب ، وركبت الوعر ، وضحت بكل عزيز وغال في سبيله . والان وقد فرغنا من تفنيد ما بنوا عليه مزاعمهم الكاذبة ، من دعوة الإسلام إلى الجهاد ، وتحريم المسيحية له ، فلنأخذ في تفنيد هذه الدعوى الظالمة من واقع تاريخ الدعوة المحمدية قبل فرض الجهاد ، ومن حكم تشريعه في الإسلام ، ومن نصوص القران والسنّة المتكاثرة ، ومن سيرة النبي صلى اللّه عليه وسلم وسير خلفائه الراشدين وأصحابه ، ومن واقع تاريخ المسلمين اليوم ، وما تعرضوا له من اضطهاد وحروب ومظالم ، لم تزدهم إلا صلابة في التمسك بالإسلام ، والعض عليه بالنواجذ ، فأقول وباللّه التوفيق : 1 - لقد مكث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهو يدعو إلى اللّه بالحجة والموعظة الحسنة ، وقد دخل في الإسلام في هذه الفترة من الدعوة خيار المسلمين من الأشراف وغيرهم ، وكان الداخلون أغلبهم من الفقراء ، ولم يكن عند رسول اللّه من الثراء ما يغري هؤلاء ، وهذا أمر لا يختلف فيه اثنان ، وقد تحمّل المسلمون ولا سيما الفقراء والعبيد ومن لا عصبية له منهم من صنوف العذاب والبلاء ألوانا ، فما صرفهم ذلك عن دينهم ، وما تزعزعت عقيدتهم ، بل زادهم ذلك صلابة في الحق ، وصمدوا صمود الأبطال مع قلتهم وفقرهم ، وما سمعنا أن أحدا منهم ارتدّ سخطا عن دينه ، أو أغرته مغريات المشركين في النكوص عنه ، وإنما كانوا كالذهب الإبريز لا تزيده النار إلا صفاء ونقاء ، وكالحديد لا يزيده الصهر إلا قوة وصلابة ، بل بلغ من بعضهم أنهم وجدوا في العذاب عذوبة ، وفي المرارة حلاوة . ثم كان أن هاجر بعضهم إلى بلاد الحبشة هجرتين ، ثم هاجروا جميعا الهجرة الكبرى إلى المدينة ، تاركين الأهل والولد والمال والوطن ، متحملين الام