تخطي إلى المحتوى الرئيسي

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
الاغتراب ، ومرارة الفاقة والحرمان . واستمر الرسول بالمدينة عاما وبعض العام يدعو إلى اللّه بالحكمة والمجادلة بالتي هي أحسن ، وقد دخل في الإسلام من أهل المدينة قبل الهجرة وبعدها عدد كثير عن رضا واقتناع ويقين واعتقاد ، وما يكون لإنسان يحترم عقله ويذعن للمقررات التاريخية الثابتة ، أن يزعم أنه كان للنبي والمسلمين في هذه الأربعة عشر عاما أو تزيد حول أو قوة ترغم أحدا على الدخول في الإسلام ، إلا إذا ألغى عقله وهدم التاريخ الصحيح . 2 - إن تشريع الجهاد في الإسلام لم يكن لإرغام أحد على الدخول في الإسلام كما زعموا ، وإنما كان للدفاع عن العقيدة ، وتأمين سبلها ووسائلها ، وتأمين المعتنقين للإسلام ، وردّ الظلم والعدوان ، وإقامة معالم الحق ، ونشر عبادة اللّه في الأرض ، وبحسبنا في هذا المقام ما ذكرته انفا في حكمة مشروعية الجهاد من نص القران ، وما عرضت له في الأطوار التي مرّ بها الجهاد ، من أن القتال كان للمقاتلين والمعتدين ، فلما تمالأ المشركون على المسلمين أمرهم اللّه بقتالهم عامة ، ثم ماذا يقول هؤلاء المغرضون في قوله تعالى :
لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ . إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
« 1 » . فالإسلام لم يقف عند حدّ أن من سالمنا سالمناه ، بل لم يمنع من البر بهم والعدل معهم ، وعدم الجور عليهم ، وكذلك كان موقف القران كريما جدا مع الذين قاتلوا المسلمين ، وأخرجوهم من ديارهم ، أو ساعدوا عليه ، فلم يأمر بظلمهم أو البغي عليهم ، وإنما نهى عن تولّيهم بإفشاء الأسرار إليهم ، أو نصرتهم وإخلاص الودّ لهم ، فإن حاربونا حاربناهم ، وإن كفوا عنّا كففنا عنهم ، وصدق اللّه :
وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا
.
هامش
( 1 ) سورة الممتحنة : الآيتان 8 ، 9 .