تخطي إلى المحتوى الرئيسي

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة — صفحة 35

مساهمون:

ص٣٥
وكيف لا تكون من رياض الجنة والعبادة فيها مما يقرّب صاحبها من الجنة ، ويباعد بينه وبين النار ، فالأعمال فيها ثوابها مضاعف ، والدعاء فيها مرجو الإجابة ، وبجوارها أشرف بقعة ضمّت أشرف جسمان على وجه الأرض ، وطالما صلّى فيها النبي في حياته وقام ، وكثيرا ما وعظ فيها وذكّر ، وبشّر وأنذر ، وشهدت من أحداث الإسلام وسياسته ما شهدت ، والجالس فيها يشعر بروحانية صافية ، وراحة نفسية ، وإشراقة قلب ، وانشراح صدر ، وينسى فيها بؤس الحياة والامها ، ويغمره إيمان بصاحب الرسالة وحب يصلان به إلى حظيرة القدس . وذهب الإمام مالك وأصحابه إلى تفضيل مسجد المدينة على مسجد مكة ؛ لأن ذاك بناه الخليل إبراهيم ، وهذا بناه نبينا محمد . والحق ما ذهب إليه جمهور العلماء من تفضيل المسجد الحرام ، لأنه في بلد حرّمه اللّه يوم خلق السماوات والأرض ، وحرّمه الخليل وحرمه نبينا ، وجعل الصلاة فيه أفضل من الصلاة في المسجد النبوي ، وجعل حجه فرضا مفروضا ، ومن دخله كان امنا ، وفضيلته قد شهد بها التنزيل وصدق اللّه :
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ
« 1 »
مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ ( 96 ) فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ( 97 )
« 2 » .

بناء حجر أمهات المؤمنين

وبني لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حجر حول مسجده الشريف ، لتكون مساكن له ولأهله ، ولم تكن الحجر كبيوت الملوك والأكاسرة والقياصرة ، بل كانت بيوت من ترفّع عن الدنيا وزخارفها ، وابتغى الدار الآخرة ، فقد كانت كمسجده مبنية من اللبن والطين وبعض الحجارة ، وكانت سقوفها من جذوع النخل والجريد ،
هامش
( 1 ) بكة هي مكة بلد اللّه الحرام بإبدال الميم باء ، سميت بذلك لأنها تبك أعناق الجبابرة الذين يلحدون فيها بظلم ، وقيل لأن الناس يجتمعون فيها ويتزاحمون للطواف والسعي . ( 2 ) آل عمران : الآيتان 96 ، 97 .
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة — صفحة 35 | محمد بن محمد ابو شهبة