بعدهم أدخلوه في كتبهم . ولا أعدو الحقيقة إذا قلت : إن التابعين رضي اللّه عنهم جمعوا جميع المرويات في عهد الصحابة ، وكتبوا في حياتهم ما وصل إلى علمهم من الأخبار والشؤون ، وبحثوا عن ذلك بحثا طويلا ، وبذلوا فيه جهودهم ، وسافروا له ، وطرقوا أبواب العلماء والمحدّثين ، حتى لقد كانوا يطوون لأجل الحديث الواحد مسافة طويلة ، وشقّة بعيدة ، ومن أشهرهم محمد بن شهاب الزّهري « 1 » ، وهشام بن عروة بن جبير « 2 » ، وأبو الزناد « 3 » ، وغيرهم . إن علماء التابعين - وكانوا يعدّون بالمئات - جابوا البلاد ، وجالوا خلال الدّيار ، وطووا الصحارى والمفاوز ، وشدّوا الرّحال إلى أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وكذلك فعل تلاميذهم ، ليرووا أحاديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فجمعوا لنا هذه الذخيرة العلمية ، وربما سافروا وقطعوا مئات الأميال لحديث واحد . وإنّ محمد بن شهاب الزهري - وهو الإمام في الحديث والسيرة - كتب كل ما سمع ممّا يتعلق برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، حتى قال عنه أبو الزناد : كنا نكتب الحلال والحرام وكان الزّهري يكتب كل شيء « 4 » .
ويقول طاووس بن كيسان « 5 » : كنت أنا والزّهري رفيقين في طلب العلم ، فقلت : لا أكتب إلا السنن ، فكتبت ما يتعلق برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وقال
هامش
( 1 ) هو محمد بن مسلم بن عبد اللّه بن شهاب الزهري ، تابعي ، من أهل المدينة ، أول من دوّن الحديث ، كان من أكابر الحفاظ والفقهاء ، نزل الشام واستقرّ بها ، كتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله : « عليكم بابن شهاب فإنكم لا تجدون أحدا أعلم بالسنة الماضية منه » توفي بشغب ( هو آخر حدّ الحجاز وأول حدّ فلسطين ) سنة 124 ه .
( 2 ) هو هشام بن عروة بن الزبير بن العوام ، تابعي من أئمة الحديث ، ولد في المدينة ، وعاش فيها ، زار الكوفة ، فسمع منه أهلها ، ودخل بغداد ، وتوفي بها سنة 146 ه . وله نحو أربعمئة حديث مروي .
( 3 ) هو عبد اللّه بن ذكوان القرشي المدني ، المعروف ب « أبو الزناد » أحد كبار المحدثين وفقهاء أهل المدينة ، كان ثقة في الحديث عالما بالعربية ، فصيحا ، توفي بالمدينة سنة 131 ه .
( 4 ) جامع بيان العلم ، ص 37 .
( 5 ) هو طاووس بن كيسان الخولاني الهمداني من أكابر التابعين ، أصله من الفرس ، ومولده ومنشؤه في اليمن ، توفي حاجا بالمزدلفة سنة 106 ه .