تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسالة المحمدية — صفحة 81

مساهمون:

ص٨١
العلمية في العالم ، بل لا يوجد في جميع ذخائر الدنيا العلمية أوثق منها سندا ، وأصحّ تاريخا ورواية . ولقد صدق الأستاذ الكبير العلامة الشيخ شبلي النعماني « 1 » حين قال : ( لما أرادت الأمم الآخرى من غير المسلمين أن تجمع في أطوار نهضتها أقوال رجالها ، ورواياتهم كان قد فات عليهم زمن طويل ، وانقضى بينها وبينهم عهد بعيد ، فحاولوا كتابة شؤون أمّة قد خلت ، ولم يميزوا بين غثّ ذلك الماضي وسمينه ، وصحيحه وسقيمه ، بل لم يعلموا أحوال رواة تلك الأخبار ، ولا أسماءهم ، ولا تواريخ ولادتهم ، فاكتفوا بأن اصطفوا من أخبار هؤلاء الرواة المجهولين ورواياتهم ما يوافق هواهم ، ويلائم بيئتهم ، وينطبق على مقاييسهم . ثم لم يمض غير زمن يسير حتى صارت تلك الخرافات معدودة كالحقائق التاريخية المدوّنة في الكتب ، وعلى هذا المنهاج السّقيم صنّفت أكثر الكتب الأوربية مما يتعلق بالأمم الخوالي وشؤونها ، والأقوام القديمة وأخبارها ، والأديان السالفة ، ومذاهبها ، ورجالها . أما المسلمون فقد جعلوا لرواية الأخبار والسير قواعد محكمة يرجعون إليها ، وأصولا متقنة يتمسّكون بها ، وأعلاها ألّا تروى واقعة من الوقائع إلا عن الذي شهدها ، وكلّما بعد العهد على هذه الواقعة فمن الواجب تسمية من نقل ذلك الخبر عن الذي نقله عمّن شهد ، وهكذا بالتسلسل من وقت الاستشهاد بالواقعة ، والتحدّث عنها إلى زمن وقوعها ، والتثبت من أمانة هؤلاء الرواة ، وفقههم ، وعدالتهم ، وحسن تحمّلهم للخبر الذي يروونه ، وإذا كانوا على خلاف ذلك وجب تبيينه أيضا . وهذه المهمّة من أشقّ الأمور ، ومع ذلك فإنّ مئات من المحدّثين تفرّغوا لها ، ووقفوا أعمارهم على تحرّي ذلك ، واستقصائه وتدوينه ، وطافوا لأجله البلاد ، ورحلوا بين الأقطار ، باحثين دارسين لأحوال الرواة ، وكانوا يلقون المعاصرين لهم من الرواة ؛ لينقدوا أحوالهم ، وإذا اطمأنوا إلى سيرة فريق منهم سألوهم عما
هامش
( 1 ) هو أستاذ العلامة المؤلف ، كان من كبار الباحثين والمؤرخين المصلحين في الهند ، وقد سبقت ترجمته في صفحة ( 5 ) .
الرسالة المحمدية — صفحة 81 | سيد سليمان ندوى