تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسالة المحمدية — صفحة 61

مساهمون:

ص٦١

امتياز الإسلام بحفظ السيرة النبويّة وتراجم الصّحابة والتابعين والأئمة والمتبوعين :

أيها السادة ! قلنا فيما سبق : إنّ الحياة المثالية جدير بها أن تكون مشتملة على خصال أربع . وسننظر الآن إلى سيرة محمد صلّى اللّه عليه وسلم من هذه النواحي ، وأولها أن تكون سيرة « تاريخية » . لقد شهدت الدّنيا أصدق شهادة ، ثم ازداد ذلك ثبوتا على الأيام بأنّ الإسلام لم يقتصر على حفظ سيرته صلّى اللّه عليه وسلم ، بل توسّع في ذلك إلى ما يتعلّق بها من كلّ النواحي ، وصان هذه الأمانة القدسية ، فلم تلمسها يد الضّياع ، ولم تعبث بها عوامل الدّهر ، إلى درجة أنّ العالم كلّه يقف من ذلك موقف العجب والاستغراب . والذين وقفوا حياتهم منذ العصر النّبويّ على حفظ أقوال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم ، ورواية أحاديثه ، وكلّ ما يتعلّق بحياته أدّوها إلى من ضبطوها بعدهم ، وكتبوها ، وصاروا يسمّون « رواة الحديث » أو « المحدّثين » و « أصحاب السّير » ، وهم طبقات متسلسلة من « الصحابة » و « التابعين » و « تابعي التابعين » حتى وافى القرن الرابع . فلما كملت هذه الذخيرة التاريخيّة جمعا ، وكتابة ، وتدوينا جعل العلماء يكتبون سير هؤلاء الرّواة من الصّحابة والتابعين ، ومن بعدهم من العلماء الذين رووا شيئا مما يتعلّق بحياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فكتبوا أسماءهم ، وكناهم ، وأنسابهم ، ومنشأهم ، وأخلاقهم ، وعاداتهم ، وبالجملة أحصوا شؤون حياتهم كلّها ، حتى أصبح ما كتبوا في هذا الباب علما مستقلّا سمّي فيما بعد « علم أسماء الرجال » « 1 » .
هامش
( 1 ) إن العالم الألماني المعروف الدكتور سبرنكر كان في سنة 1854 م وما بعدها موظفا في ديوان من دواوين المعارف في أيالة البنغال وأمين السر للجمعية الآسيوية فيها . وقد عني بكتاب المغازي للواقدي ، ونشر بعناية فان كرامر وتصحيحه سنة 1956 ، وبعنايته طبع كتاب الإصابة في أحوال الصحابة للحافظ ابن حجر العسقلاني . وقد ادّعى أنّه أول أوربي كتب في سيرة محمد صلّى اللّه عليه وسلم معتمدا على المصادر العربية الأولى ، ولم يعتمد في تأليفه إلا عليها . ومع أنه - في الحقيقة - لم يكتب كتابه دفاعا عن صاحب الرسالة صلّى اللّه عليه وسلم بل كان متحاملا عليه ، ومخالفا له ، إلا أنه قال في مقدمته -