ومع أن عبد الله كان أحب بنيه إليه ، أخذ الشفرة يحدها ليذبح أحب ولده إليه ، ولكن ترامى الخبر في أندية قريش من أن عبد المطلب يحمل شفرته ليذبح ابنه ، فجاؤوا سراعا إليه ، ورأوه حاملا شفرته ليذبح ولده الحبيب غير وان ولا مقصر ، فصاحوا فيه : ماذا تريد يا عبد المطلب ، قال : إني أذبحه ، فهال الأمر قريشا ، وفزع إخوته ، وقد ضعفت عزمتهم وطاعتهم الأولي ، ومحبة أخيهما ، ولكن لم تضعف عزمة الشيخ الفادي الوفي بنذره وإن كان الفداء أحب إليه منهم جميعا ، ولكنها قوة الإرادة والعزيمة ، والإيمان بما يعتقد ، وإن كان باطلا .
أقسم الأبناء وقريش على ألا يذبحه ، وبنوا ذلك على أنه ستكون مغبته سوا على قريش خاصة ، وعلى العرب عامة ، قالوا له : لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه ، لئن فعلت هذا لا يزال الرجل يأتي بابنه ليذبحه ، فما بقاء الناس على هذا ؟ !
وقالت له ابنة أخته : والله لا تذبحه حتى تعذر فيه ( أي تبدى العذر عن النذر ) فإن كان فداؤه فديناه بأموالنا .
ذهبوا إلى عرافة في أرض الحجاز ، فأشارت عليهم بأن يقدموا الدية وهي عشرة من الإبل ويقرع بينها وبين الذبيح ، فإن كانت القرعة عليه زادوا في الإبل ، حتى تكون القرعة عليها .
أصاخوا إلى صوتها ، وأجمعوا الأمر ، ثم قربوا عشرا من الإبل وعبد الله الذبيح ، فقرعوا بينها ، فكان السهم على عبد الله ، ثم زادوا حتى صارت عشرين ، فكان القدح أيضا على عبد الله ، فزادوا حتى صارت ثلاثين ، ولكن خرج القدح على عبد الله أيضا ، واستمرت الزيادة عشرة بعد عشرة حتى وصل العدد مائة من الإبل ، ثم ضربوا القداح فخرج القدح على الإبل .
فقالت قريش : قد انتهى الأمر ، ورضى ربك بالفداء يا عبد المطلب .
ولكن عبد المطلب يريد أن يستوثق من الرضا بالفداء ، فزعم الرواة أنه ضرب مرة ثانية وثالثة ، والقدح يخرج على الإبل ، فنحرت الإبل ، وتركت للناس لا يصد ولا يمنع إنسان .
67 - وإن دل هذا على صفة من صفات عبد المطلب ، فهي تدل على صفة الرجل المريد لما يفعل ، القوى في عزمه ، الصادق في نفسه واختياره ، وهو يدل على قوته في البلاء ، وتحمل الصبر على ما يكره ، وإن تقاضاه الصبر ذبح أحب أولاده إليه ، فاختبر ، وابتلى فأحسن البلاء .
والرجل القوى ليس هو الذي يخضع إرادته لهواه ، أو عزمته لشفقته ، إنما القوى حقا وصدقا هو الذي يجعل الإيمان والإرادة يغلب الهوى والمحبة ، وقد كان عبد المطلب القوي ، ولا يمنع ذلك أن يكون
خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 86
مساهمون: محمد ابو زهره
ص٨٦