تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥

الثانية - أنه كان مباركا

، لا يضع يده في عمل إلا بارك الله تعالى فيه . . حمل المعول ، فحفر بئر زمزم ، وإذا لم يكن ذا مال في قومه ، فقد كان موفورا في كرمه ، مباركا له في رزقه ، وأكثر قريش فضلا عليهم ، وعائدة بالخير على جمهورهم ، لا يضن بخير ، ولا يستأثر به ، وقد وقاه الله تعالى شح نفسه .

الثالثة - عزيمته ، وإصراره على ما يقوم به من خير

مهما يصادف في ذلك من عقبات ، وما يحتاج إليه العمل من خير له وللناس . فكان قوى الإرادة ماضي العزيمة ، متحملا أثر ما يقول . ذكر علماء السيرة أنه ما كان له عند حفر زمزم إلا ولد واحد ، وهو الحارث بن عبد المطلب ، وكان العرب يعتزون بكثرة المال ، وكثرة البنين ، فكان يجرى على ألسنتهم في مقام الفخر
أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَراً
« 1 » وإذا كان عبد المطلب قد قنع بما أعطاه الله تعالى من مال ، وإن لم يكن كثيرا كغيره من أثرياء قريش وثقيف ، فقد قنع به ، لأنه كان يكفى لحفظ مروءته ، وما كان حريصا على أن يجمع ، بل كان حريصا على ألا يمنع ، وحسبه ذلك شرفا . ولقد كان له شوق إلى البنين ليكون أعز نفرا ، والمال والبنون زينة الحياة الدنيا . ولقد نذر نذرا فيه بقية من بقايا الجاهلية ، وهو أنه إذا عاش له عشرة من البنين ، لقدم أحدهم فداء عند الكعبة ، وكأنه يريد أن تكون فيه قوة التقرب إلى الكعبة ، كما تقرب جده إبراهيم بولده البكر إلى الله تعالى ، ولكنه فعله نذرا من نفسه ، ولم يفعله بأمر ربه ، ولذلك كان استعداد إبراهيم قوة عبادة ، ونذر عبد المطلب لا يخلوا من جاهلية ، وهذا فرق ما بين أبى الأنبياء وخليل الله تعالى ، وصفيه ، ومن عاش في جاهلية الوثنية ، غير مستنكر لها ، والله هو الذي يهب من يشاء الذكور ، ويهب من يشاء الإناث ، ويهب من يشاء الذكور والإناث . اتجه الرجل القوى في نفسه وعزمته إلى الوفاء بنذره ، وقد بلغ عدد أولاده عشرة رجال ، ولكن من يختاره لهذا الفداء ، فأراد القرعة ، فجمعهم ، ودخل بهم في جوف الكعبة ، وأمرهم أن يأخذ كل واحد منهم ورقة ، ويكتب فيها اسمه ، وقد أخبرهم من قبل بنذره ، فارتضوا طائعين غير منافرين ، وبعد أن كتبوا أسماءهم وضع اسم كل واحد في قدح ، وأمر خبيرا في القداح أن يسهم بينهم ، فساهم ، فكان القدح على عبد الله ابنه وأبى محمد صلّى اللّه عليه وسلّم .
هامش
( 1 ) سورة الكهف : 34 .