حتى كانوا كالذين عذبوا بالأخدود كما نوهنا من قبل ، وكما جاء في القران تعالت كلماته ، وسمت عن القيل عباراته .
والنبي صلى الله تعالى عليه وسلم ناله الأذى ، وأصابه العنت من أولئك ، ولكن دون أن يفكروا في قتله إلا بعد أن يئسوا من أن يقفوا الدعوة . وبعد أن وجدوه يعمل على توجيه دعوته إلى خارج مكة ، وقد أخذ نورها يتجه إلى القبائل العربية ، فحاولوا أن يقتلوه ، ولكن قد ان له عليه الصلاة والسلام أن ينشئ دولة الإيمان ، وقد تكاملت عناصر تكوينها ، ولكن في غير أرض مكة .
وهكذا اختبر الله أهل الإيمان بالشدائد ، حتى هاجروا فرارا بدينهم لأن الشدائد تملأ القلوب صرامة ، وتعطى الإرادة عزيمة ، فلا تهن ولا تضعف ، ولا تحزن ولا تيئس من روح الله ، ومن أن تكون كلمة الله تعالى هي العليا ، وهكذا يربى الرجال الذين يكونون دعائم الحق ، قال تعالت كلماته
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا ، حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ، مَتى نَصْرُ اللَّهِ ، أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ
« 1 » .
60 - كان لابد لنبي الرحمة أن يكون في كل حياته رحيما ، فيربى على الرحمة بالضعفاء صغيرا ، يكون بينهم ضعيفا ليحس بالام الضعفاء والمساكين ، فليس رحيما من لم يذق مثل ما فيه حال الضعفاء .
وإن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مع أنه كان نسيبا من أعلى نسب في قومه قد كان في المال قلا ، وابتدأ حياته يتيما ، ثم كان أجيرا في رعى الغنم ، فالتقى فيه مهذّبان : أحدهما - النسب الرفيع الذي يجعله لا يتجه إلى سفساف الأمور ، بل يتجه إلى معاليها ، ليتكافأ نزوعه مع شرفه ، فيتلاقيا ، ويتوافرا على إعلائه ، وبذلك حفظ محمد شرف النسب ، فكان الصادق الأمين ، الذي لم يكن فيه ما ينقص نسبه ، ويضعف شرفه العظيم ، فكان النبيل حقا وصدقا ، وكان الكامل بين ذوى الأنساب ، والمتبع من غيرهم .
المهذّب الثاني اليتم وقلة المال ، وإن هذا المهذّب من شأنه أن يجعله موطأ الكنف للضعفاء من العبيد ، والعاملين والفقراء ، فلا يستكبر ، ولا يستعلي ، بل يكون قريبا منهم ، أليفا معهم من غير أن يناله ذل الفقر ، وضعف الحاجة واستخذاء المسكين ، فهو العالي الرفيع ، وهو الذي ينبع معين الرحمة من بين جنبيه ، فإن الرحمة تنبع من بين الشدائد والرحيم هو الذي يذوق الشديدة من غير أن تذله ، ليرحم غيره ، ولا يعترى نفسه حقد على من هو أعلى منه ، بل هو ينظر دائما إلى من دونه ليعليه ، وليحميه ، ويعينه .
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 214 .