وتوقى سخطه ، وإن تقوى الله تبيض الوجه ، وترضى الرب ، وترفع الدرجة ، خذوا بحظكم ولا تفرطوا في جنب الله ، قد علمكم الله كتابه ، ونهج لكم سبيله ، ليعلم الذين صدقوا ، وليعلم الكاذبين ، فأحسنوا كما أحسن الله تعالى إليكم ، وعادوا أعداءه ، وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم ، وسماكم المسلمين ، ليهلك من هلك عن بينة ، ويحيى من حي عن بينة ، ولا قوة إلا بالله ، فأكثروا من ذكر الله ، واعلموا لما بعد الموت ، فإنه من أصلح ما بينه وبين الله يكفيه ما بينه وبين الناس ، ذلك بأن الله يقضى على الناس ، ولا يقضون عليه ، ويملك من الناس ، ولا يملكون منه ، الله أكبر ، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم » .
هذه الخطبة كما رواها ابن جرير ، ولولا أن الحافظ ابن كثير رواها ما أقدمنا على نقلها ، ولكن قال الحافظ : هكذا أورد ابن جرير ، وفي السند إرسال .
ونحن نقرر ما قررنا أن ما اشتملت عليه أشبه بمواعظ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولكن نلاحظ أنها أطول من أكثر خطب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ونلاحظ أن فيها تكرارا لم يعهد في خطب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأن فيها آيات قرانية من الآيات المدنية ، مما يدل على أنها نزلت بعد هذه الخطبة ، والله أعلم .
هذا ما نراه بالنسبة للخطبة التي رواها ابن جرير ، وقد روى البيهقي خطبتين :
أولاهما : ما رواه عن عبد الرحمن بن عوف قال : كانت أول خطبة خطبها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في المدينة المنورة أن قام فيهم فحمد الله تعالى ، وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال :
« أيها الناس قدموا لأنفسكم ، تعلمن ، والله ليصعقن أحدكم ، ثم ليدعن غنمه ليس لها راع ثم ليقولن له ربه ، ليس له ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه : ألم يأتك رسولي فبلغك ، واتيتك مالا فأفضلت عليك ، فما قدمت لنفسك ، فينظر يمينا وشمالا ، فلا يرى شيئا ، ثم ينظر قدامه ، فلا يرى غير جهنم ، فمن استطاع أن يقى وجهه من النار ، ولو بشق تمرة ، فليفعل ، ومن لم يجد فكلمة طيبة ، فإن بها تجزى الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته » .
والثانية أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إن الحمد لله أحمده ، وأستعينه ، نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهد الله ، فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد ألاإله إلا الله واحده لا شريك له ، إن أحسن الحديث كتاب الله ، قد أفلح من زينه الله في قلبه ، واختاره على ما سواه من أحاديث الناس ، إنه أحسن الحديث وأبلغه ، أحبوا من أحب الله ، أحبوا الله من كل قلوبكم ، فإنه من يختاره الله ويصطفيه فقد سماه خيرته من الأعمال ، وخيرته من العباد ، والصالح من الحديث ، ومن كل ما أوتى من الناس من الحلال والحرام ، فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ، واتقوه حق تقاته ، وأصدقوا الله صالح ما تقولون بأفواهكم ، وتحابوا بروح الله بينكم ، إن الله يغضب أن ينكث في عهده ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته » .
خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 470
مساهمون: محمد ابو زهره
ص٤٧٠