ولقد ذكر موسى بن عقبة أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ، مر في طريقه بعبد الله بن أبي بن سلول ، ينتظر أن يدعوه إلى المنزل ، وهو يومئذ سيد الخزرج في أنفسهم ، فقال : عبد الله انظر إلى الذين دعوك فانزل عليهم ، فذكر ذلك رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم لنفر من الأنصار ، فقال سعد بن عبادة يعتذر عنه : لقد من الله علينا بك يا رسول الله وإنا نريد أن نعقد على رأسه التاج ، ونملكه علينا .
اتجه رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم من بعد نزوله في دار أبى أيوب الأنصاري إلى ثلاثة أمور :
أولها : صلاة الجمعة فقد صلاها في بنى سالم بن عمرو بن عوف ، ويظهر أنه صلاها في أرض فضاء ، لأنه لم يكن قد بنى مسجده فيها ، وما دام النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قد اختارها لإقامة الجمعة ، فهي مسجد تقام فيه الصلوات ، وخصوصا أنه ولى أمر المسلمين .
الأمر الثاني الخطبة : وقد قالوا أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم خطب الجمعة ، وقد روى في نصها روايتان :
إحداهما - رواية ابن جرير الطبري ، والخطبة في هذه الرواية طويلة نسبيا ، ورواها البيهقي ، وروايته أقصر ، ولم ينص على أنها خطبة واحدة ، بل روى أخرى بعدها على أنها خطبة أخرى ، ولنذكر الخطب الثلاث ، وإن كان في بعض رواتها كلام ، ولكنها أشبه بكلام رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ومواعظه .
الخطبة التي رواها ابن جرير :
« الحمد لله أحمده وأستعينه ، وأستغفره ، وأستهديه ، وأومن به ولا أكفره ، وأعادى من يكفره ، وأشهد ألاإله إلا الله واحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، أرسله بالهدى ودين الحق ، والنور والموعظة على فترة من الرسل ، وقلة من العلم ، وضلالة من الناس ، وانقطاع من الزمان ، ودنو من الساعة ، وقرب من الأجل ، من يطع الله ورسوله فقد رشد ، ومن يعصهما فقد غوى وفرط ، وضل ضلالا بعيدا ، وأوصيكم بتقوى الله . فإنه خير ما أوصى به المسلم أن يحضه على الآخرة ، وأن يأمره بتقوى الله تعالى فاحذروا ما حذركم الله من نفسه ، ولا أفضل من ذلك نصيحة ، ولا أفضل من ذلك ذكرى . وإن تقوى الله تعالى ذخر لمن عمل على وجل ومخافة ، وعون صدق على ما تبتغون من أمر الآخرة ، ومن يصلح الذي بينه وبين الله من أمر السر والعلانية ، لا ينوى بذلك إلا وجه الله تعالى يكن له ذكرا في عاجل أمره ، وذخرا فيما بعد الموت ، حين يفتقر المرء إلى ما قدم ، وما سوى ذلك يود لو أن بينه وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد ، والذي صدق قوله ، وأنجز وعده ، لا خلف لذلك ، فإنه يقول تعالى :
ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ ، وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
. واتقوا الله في عاجل أمركم ، واجله في السر والعلانية ، فإنه من يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا ، ومن يتق الله فقد فاز فوزا عظيما ، وإن تقوى الله تعالى توقى مقته